البرغوثي يدعو إلى إعادة النظر في دور السلطة الفلسطينية    القوى الوطنية والإسلامية تطالب بتوسيع دائرة الاشتباك بالقدس    تصاعد المواجهات في مدن المثلث و شرطة الاحتلال ترفع حالة التأهب    فتح تبلغ منسق لجنة القوى الوطنية والإسلامية قرارها إلغاء مهرجان أبو عمار    الاحتلال يمنع النساء من دخول الأقصى وحجز بطاقات الرجال ويفتحه أمام المستوطنين    1300 مقدسي تعرضوا للاعتقال منذ يونيو    النخالة: عملية القدس تؤكد صوابية خيار المقاومة ولنا موقف عند كل اعتداء    إضراب عام في الداخل غدا احتجاجا على جريمة قتل الشاب حمدان    مواجهات مستمرة بأحياء بالقدس المحتلة     الاتحاد الأوروبي يطالب بالإسراع في الإعمار وتفعيل الحكومة بغزة
اليوم : 2014/11/22
القدس في 22/11
نشاطات المؤسسة
ندوات وأمسيات
مهرجانات ومؤتمرات
معارض فنية
إصدارات
عين على فلسطين
دراسات ومقالات
تاريخي وجغرافي
عائدون
دليل القدس الثقافي
القدس اليوم
تاريخ القدس
آثار وعمران
القدس في عين الأدب
رواد مقدسيون
التراث الشعبي الفلسطيني
الأغنية الشعبية
الأمثال والمعتقدات
الحكاية
العادات والتقاليد
الزي
الصناعات اليدوية
المقالة التراثية
 
هل تعتقد أن اعتداءات العدو الصهيوني على المسجد الأقصى تهدف لتسريع التقسيم الزماني و المكاني للحرم القدسي






نتائج التصويت تصويتات سابقة
القدس في عين الأدب 
الأبيوردي ومرثية القدس مدينة ضائعة وشاعر مُضَيَّع

  حين كنا طلاّباً درسنا قصيدة للشاعر الأبيوردي تحمل عنوان القدس، وقد مررنا على هذه القصيدة عَرَضاً كما مرّ غيرنا، ولم تثبت في أذهاننا، بل ولم نحفظها كما حفظنا لأبي الطيب أو المعرّي أو أبي فراس.. ولست أدري كيف التصقت بي هذه القصيدة منذ قرأتها! فلا تزال صورها ماثلةً في ذاكرتي حتى وقعت عيني في مكتبة الرصيف ذات يوم جمعة على كتاب بغلاف كرتوني أبيض للدكتور الراحل ممدوح حقي بعنوان (الأبيوردي). اقتنيته يومها دون أن أعرف الكثير عن الشاعر، وربما كان دافع الاقتناء يومها رخص ثمن الكتاب الذي عرفت قيمته فيما بعد..

وحين تخصصت في قسم اللغة العربية بدأت أمارس هوايتي باقتناء الكتب على ضيق ذات اليد، وكان ديوان الأبيوردي بمجلديه الصادر عن مجمع اللغة العربية بدمشق وبتحقيق علمي عالٍ للدكتور عمر الأسعد من أوائل الدواوين التي اعتنيت بها.. وبحثت عن قصيدة القدس فيه فلم أجدها، وعندها عرفت أن القدماء لم يضعوا عناوين قصائدهم، وصرت أبحث حسب الأصول العلمية على المطلع والقافية، فقرأت القصيدة وحفظتها ثم غبت عنها زمناً فنسيتها..

وفي عام 1995 عادت القصيدة قسراً إلى اهتمامي، فقد عرض علَيَّ الصديق الدكتور هاني صالح في شتاء ذلك العام ترجمته لكتاب كتبته المستشرقة الألمانية زيغريد هونكِه (التوجه الأوروبي إلى العرب والإسلام – حقيقة قادمة وقدرٌ محتوم) وطلب إليّ أن أستخرج له الأشعار الموجودة في الكتاب، ليأخذها من مصادرها العربية بدل أن تتم ترجمتها مرّة أخرى بطريقة غير شعرية، وبين هذه الأشعار كانت قصيدة (القدس) للأبيوردي، وهنا تملكني العجب، وأنا أرى اهتمام المستشرقين بهذه القصيدة، في الوقت الذي لا نلتفت فيه إليها..

ومجدداً يحدثني الصديق الدكتور علي القيّم عن عددٍ في مجلة المعرفة عن مدينة القدس، ودون تردد قلت له: قصيدة القدس للأبيوردي.. مصادفات عديدة ربطتني بهذه القصيدة، ولكنها بمجملها مصادفات سعيدة، فوجدتني بعد انغماس سنوات في الإعلام ومتابعته أعود إلى مكتبتي وأنفض الغبار عن بعض كتبها، لأمارس بتلذّذ لا يعدِله تلذذ دور الباحث المنقّب – مع أني لست هو – وأجمع الكتب من أجل دراسة قصيدة تمثل مرحلة فاصلة في تاريخنا مع سقوط القدس بيد الإفرنج فيما عُرف بالحروب الصليبية، هذه القصيدة التي تذكرنا بسقوط القدس، وتعيد إلينا الأمل بتحريرها وإن طال الزمن، ولكن من هو صاحب القصيدة الأبيوردي؟

الأبيوردي العالم النحوي القارئ الشاعر:
لم يكن الأبيوردي شاعراً فحسب، بل كان عالماً ذكرت كتبُ التراجم مؤلفاتِه، ونحوياً وضعه مترجمو النُحاة في ذروة النُحاة، وتحدثوا عن تصانيف في النحو واللغة لم يأت بها غيره، وهو مؤرخٌ ترك تصانيفَ تاريخيةً عديدة، وهو إلى ذلك أحد قُرّاء نيسابور، وبعد ذكر كلّ ما ذكر يأتي المصنفون على جانبه الشعري، وكأنّ شعره، وهو من النسق الأعلى في الشعر، يأتي من نافلة اهتمامه وعلومه!

يذكر الزركلي في الأعلام، وهو مفتاح كتب التراجم في عصرنا، الأبيورديَّ، فيذكر عام وفاته، ولا يذكر ولادته، فيقول: «محمد بن أحمد بن محمد القرشي الأموي، أبو المظفر، شاعر عالي الطبقة، مؤرخ، عالم بالأدب، وُلد في أبيورد في خراسان ومات في أصبهان كهلاً. من كتبه: تاريخ أبيورد، المختلف والمؤتلف في الأنساب، طبقات العلماء في كل فنّ، أنساب العرب، ديوان شعر..» ثم ذكر بعض أقوال العلماء فيه.. بعد ترجمة الزركلي عرفت سبب اهتمام المستشرقين به، فهو ليس شاعراً مجيداً فقط، بل إنه عالم ومؤرخ ونسّابة. ولكن كيف يغيب عالِمنا عنّا وتُعيد زيغريد هونكِه اكتشافَه؟ بل إنّ أعجب العجب أنني عندما بحثت في ترجمته في الكتب القديمة وجدت نماذج مختارةً من شعره، ولكن الكتب كلّها – عدا ديوانه – لم تذكر قصيدته العظيمة عن القدس..! ومع ذلك حين استشهدت هونكِه بالأبيوردي، استشهدت به في حديثها عن الحملات الصليبية، وتحت عنوان: «وصمة عارٍ على الجبين الأوروبي»، وكان شعر الأبيوردي للتدليل على همجية الأوروبيين وحملاتهم العدوانية، فتقول: «فلا عجب أن يكون هناك حتى يومنا هذا وصمة لا تُمحى على الجبين الأوروبي في الوعي والإدراك العربي. وقد ترك الشاعر أبو المظفر الأبيوردي العنان لخياله في هذه الأبيات والألم يعتصره لانتصار الغزاة على شعبه، فكان هذا الألم شعراً يدعو فيه إلى الجهاد..» ص 74

الطريف أنّ ما تراه هونكه وصمة عار لا نعرفه ولا نحفظه ولا نردده، مع أنّه كان دعوة إلى الجهاد واستنهاض الهمم!
حتى كتبنا القديمة لم تستشهد بقصيدته التي رأتها هونكِه حافزاً للجهاد، فأي قراءة نمارس؟ وأي تاريخ نسترجع؟!
أما السيوطي في (بُغية الوُعاة) فيذكر الأبيوردي بنسب كامل ويقول في علمه نقلاً عن السمعاني: «أوحد عصره، وفريد دهره، في معرفة اللغة والأنساب وغير ذلك، وأورد له من شعره بما عجز عنه الأوائل من معانٍ لم يُسبق إليها، وأليق ما وُصِف به قول أبي العلاء المعرّي:
وإنّي وإنْ كنت الأخيرَ زمانُه
لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل
أخذ عن عبد القادر الجرجاني، وإسماعيل بن مسعدة الإسماعيلي، وأبي بكر بن خلف الشيرازي، ومالك بن أحمد البانياسيّ، وروى عنه جماعة. وصنّف كتباً منها: المختلف والمؤتلف، طبقات العلم، تاريخ أبيورد، تاريخ نسا، وغير ذلك، وله في اللغة مصنفات لم يُسبق إليها..» 1/40

وبعد أنْ قرأت ترجمته في بغية الوُعاة، وعلى الرغم من عهدي الطويل معه، وجدتُ رغبةً في الاستزادة، عسى أنْ أقدم شيئاً علمياً ذا قيمة، لا يكون مجرّد إنشاءٍ وتدبيجٍ مدحيّ، فتابعت ترجمته في معجم الأدباء (إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب) لياقوت الحموي فوجدت الحموي على تحفّظه وشدّته، يخصه بترجمة طويلة، ويذكر أسماء كتبِه وقصتَه، ويورد شيئاً من شعره، ليس بينها قصيدة القدس، فيقول فيه: «كان فاضلاً في العربية والعلوم الأدبية، نسّابة ليس مثلُه، متكبراً عظيماً» 5/2360
وهذا ما أورده القفطي في كتابه (المحمدون من الشعراء) ولم يزد على الصفات شيئاً. 41

لم أشأ أن أقتبس من ترجمته الكثير تجنباً للتكرار، فما أوردَتْه الكتب مأخوذ عن السمعاني في الأنساب، وتوالى الاقتباس في شذرات الذهب والبغية وغيرهما من الكتب التي ترجمت له، ويذكر محقق كتاب إرشاد الأريب.. الأستاذ الدكتور الراحل إحسان عباس من الكتب التي ترجمت للأبيوردي: «إنباه الرواة، المنتظم، معجم البلدان، وفيات الأعيان، العِبر للذهبي، سيرة أعلام النبلاء للذهبي، تذكرة الحُفّاظ، الوافي، مرآة الزمان، مرآة الجنان، طبقات السبكي، البداية والنهاية، النجوم الزاهرة، بغية الوعاة، شذرات الذهب.» وهذه القائمة التي ذكرها الدكتور عباس أثبتها لا للدلالة على كثرتها، بل للدلالة على تنوع معارف الأبيوردي وعلومه، فمن كتب الأنساب إلى التراجم والأعلام والحفاظ والمحدثين وطبقات العلماء، وكل هذا ونحن لا نعرف شيئاً يُذكر عن أبي المظفر الذي قال عنه الزركلي شاعر عالي الطبقة!.

الأبيوردي في الكتب الحديثة:
الأبيوردي العالم في كل فن، الفاضل المتكبر، الشاعر عالي الطبقة، الذي لم تخلُ الكتب القديمة من ترجمة له، والذي بكاه الشاعر أبو الفتح البستي بقوله:
إذا  ما  سقى  الله البلاد وأهلها
فخصّ بسقياها بلادَ أبيوردِ
فقد أخرجت شهماً نظيرَ أبي سعدٍ
مُبرّا على الأقران كالأسد الوردِ
فتىَ قد سرت في سرّ أخلاقه العُلا
كما قد سرت في الورد رائحة الورد
الديوان: ص 242

معجم البلدان: أبيورد
لا نجد لهذا الشاعر الكبير، على كِبَرِه، ترجمة في كتب الأدب الحديثة، والأمر مستنكر حقاً، خاصةً أنّ زماننا هذا هو زمان تواريخ الأدب والمصنفات التي ادّعت أنها معجمية تجمع لجميع الشعراء والأدباء والأعلام! فلا شوقي ضيف ولا بطرس البستاني ولا غيرهما جاء على ترجمة له، مع أنهم ترجموا لمن هم أقل منه قيمة فنية وأدبية، والكتب التي تناولت الفنون المتعددة لم تترجم له ضمن أي نوع من التأليف!

فلماذا أُهمِل شاعرٌ مثل الأبيوردي؟
ولماذا غابت أشعاره التي لا تقل عن أشعار الفحول؟
ولماذا أُهمِلت قصيدته في القدس؟

الأبيوردي وتاريخ عمر فرّوخ:
أذكر أنّ أحد أساتذتي قال لي عندما سألته عن تواريخ الأدب العربي وأفضلها: أفضل كتب تاريخ الأدب للباحثين كتاب الدكتور عمر فرّوخ، فلا يفضله سوى تاريخ الرافعي لما فيه من رؤية عميقة، وعندما اقتنيت هذين الكتابين فيما اقتنيت، عرفت معنى ما قاله أستاذي، ففي مرات لا أستطيع إحصاءها كان تاريخ الأدب العربي للدكتور فرّوخ الملاذ الذي أعود إليه فأجد بُغيتي، والأمر لا يتعلق بجانب واحد، بل إنه يتجاوز الكتب الأخرى في عدد من الأمور:
- الاستيعاب
- حُسن التقسيم والوضوح
- التوثيق وذكر المصادر
- النقد والتعليل
- الشرح والتحليل

وحين أردت شيئاً عن الأبيوردي عُدت إلى الدكتور عمر فرّوخ بعد أن نفضت يدي من الكتب الحديثة، فوجدت الدكتور فرّوخ قد جمع شتات التراجم القديمة المنثورة في الكتب العربية، وقام بتبويبها وتنظيمها، وحكم على ما يصلح منها فأثبته، واختار الوجه الصحيح مما اختُلف فيه بعد إخضاعٍ للدرس والتحليل، وذكر المصادر التي يمكن العودة إليها، وفوق هذا وذاك، كان الكتاب الوحيد الذي أثبت قصيدة الأبيوردي عن مدينة القدس. وبذلك تفرّد عن الكتب القديمة والحديثة حين أخذ هذه القصيدة بين مُنتقياته من الديوان، وذلك قبل أن يطبع الطبعة العلمية في مجمع اللغة العربية بدمشق، وبتحقيق من الدكتور عمر الأسعد.
وبعد حديث عن حياته وتنقلاته وما عصف به يذكر الدكتور فرّوخ بعبارات مكثّفة:
 

«كان الأبيوردي أحد القرّاء في أبيورد، وكان محيطاً بالعلوم العربية والأدبية وبعلم النسب، ثم هو من مشاهير الأدباء وشاعر فصيح متين السبك رائق المعاني. أمّا فنون شعره فهي المديح والفخر والهجاء والعتاب والغزل والوصف والأدب..
والأبيوردي مصنف بارع حاذق له من الكتب..»   3/217

وفي المختارات من شعر الأبيوردي يقول:
«لما استولى الفرنجة (الصليبيون) على بيت المقدس (22 شعبان 492 هـ / 15/7/1099م) قتلوا فيما ذكر ابن الأثير في المسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفاً. وكان أمراء المسلمين في ذلك الحين مختلفين متنابذين، فنظم الأبيوردي في ذلك قصيدة..» 3/219

ديوان الأبيوردي وقصيدة القدس:
ديوان الأبيوردي كبير، وشعره كثير، وقد تناول مختلف فنون الشعر كما أشار الدكتور فرّوخ، وعند استعراض الديوان على ضخامته نجد إهمالاً كبيراً لهذه القصيدة، ولولا أنّ النشرة علمية لضاعت القصيدة! لكن المنهج الذي اختاره الدكتور الأسعد في التحقيق حفظ لنا هذه القصيدة من الضياع، فضِمْن قسم الزيادات نجد قصيدة القدس مستدركةً بالاعتماد على الكتب والمصادر القديمة.

وقصيدة القدس هي وحيدة في ديوان الأبيوردي، إذْ يفصل بين قصيدته عند سقوط القدس ووفاته ثلاثة عشر عاماً، لم يقل قصيدة أخرى عنها أو عن الحوادث التي تلت سقوطها، ومع أنها وحيدة فإنها استطاعت أن تكون علامة فارقة للشاعر، وأن تكون أصدق القصائد عن سقوط بيت المقدس.

تقع القصيدة في اثنين وعشرين بيتاً من البحر الطويل جمع فيها الأبيوردي – كما سنرى – كل ما أراد أن يقوله، وكلّ ما يمكن أن يُقال.

«وقال أبو المظفر الأبيوردي لما استولى الفرنجة على البيت المقدس في سنة اثنتين وتسعين وأربعمئة، قصيدة:

مزجنا دماءً بالدموع السَّواجم
 فلم يبقً منّا عَرضَةٌ للمراحِمِ
وشرُّ سلاح المرء دمعٌ يُفيضُه
  إذا الحرب شُبَّت نارُها بالصوارم
فإيهاً  بني الإسلام  إنّ  وراءكم
وقائِعَ  يُلحقنَ  الذُرا بالمناسم
أَتهويمة  في  ظلّ  أمن وغبطة    
وعيشٍ  كنوّار الخميلةِ  ناعم
وكيف تنام العين ملء جفونها   
على   هفوات   أيقظت كل نائم
وإخوانكم بالشام يضحي مُقيلُهم   
ظهورَ المذاكي أو بطون القشاعم
تسومهمُ  الرومُ   الهوانَ   وأنتمُ
تجرون ذيل الخفض فِعْلَ المُسالِم
وكم من دماءِ قد أُبيحت ومن دُمىً   
تواري حياءً حُسنها بالمعاصم
بحيث السيوف البيض محمرّة الظبا   
وسمر العوالي داميات   اللهاذم
وبين اختلاس الطعن والضرب وقفة
 تظل لها الولدان  شيب  القوادم
وتلك حروبٌ منْ يغِبْ عن غمارها   
ليسلمَ  يقرعْ  بعدها  سنَّ  نادم
سَلًلْنَ بأيدي المشركين قواضباً
ستُغمدُ منهم في الطُّلى والجماجم
يكاد  لهُنّ  المستجنّ  بطيبةٍ  
ينادي بأعلى الصوت: يا آل هاشم
أرى أمتي لا يُشرِعون إلى العِدا
 رماحهم والدين واهي الدعائم
ويجتنبون النار خوفاً من الردى 
ولا يحسبون العار ضربة لازم
أترضى صناديد الأعاريب بالأذى
ويُغضي على ذلّ كماة الأعاجم
فليتهم   إذْ  لم  يذودوا   حميةً        
عن الدين ضنّوا غيرةً بالمحارم 
وإن زهدوا بالأجر إذ حَمِسَ الوغى
 فهلاّ أتَوه رغبةً في الغنائم
لئن أذعنت تلك الخياشيم للبرى 
فلا عطسوا إلاّ بأجدعَ راغِم
دعوناكم والحرب ترنو مُلِمّةً
 إلينا بألحاظ النسور القشاعم
تراقب   فينا   غارةً  عربيةً          
تُطيلُ عليها الرومُ عضّ الأباهم
فإنْ  أنتمُ  لم تغضبوا بعد هذه    
رمينا إلى أعدائنا بالجرائم
2 / 156 – 157

القصيدة والموضوع:
تمثل القصيدة واقع سقوط بيت المقدس تحت الاحتلال الصليبي، وموضوعها ليس رثاءً وحسب، بل إنّ الشاعر الأبيوردي بما عُرف عنه من غرور وتكبّر، كما ذكرت كتب التراجم القديمة، كان صاحب موقف مختلف، فهو يصور ويرثي ويستنهض الهمم، ويعرض حال المسلمين والعرب الذي أدّى إلى هذا الواقع المؤلم، وكذلك قدّم صورة مؤلمة لأفاعيل المحتلّ، ودعا إلى إنقاذ مدينة القدس وحرائرها من أيدي المستعمرين الذين لم يرعَوا ذمّةً، ولم يحفظوا عهداً للناس الآمنين.. ولم يكتفِ الشاعر بالبكاء، بل قدّم واقعاً وخَلُص إلى نتيجة، وهذه النتيجة لا تخصّ شخصاً محدّداً، بل يمكن أن يكون كل عربي معنيّاً بها، من الناس العاديين وحتى الحكام.
وهذا الموضوع على جلالة قدره وخطورته لم يحظَ من الشاعر الذي يعود بنسبه أو يعيده نسبه إلى معاوية بن محمد، ومن ثم إلى أبي سفيان، بأكثر من هذه القصيدة، وربما كان ذلك لقرب عهد الاحتلال من وفاته، وربما كان لأنّ الشاعر استحضر كل ما يمكن أن يقال في الموضوع الجلل، ولم يحدث ما يستدعي قولاً جديداً.

بين الضعف والقوة:
كان الشاعر أبو المظفّر، كما تذكر المصادر، يلقّب نفسه ب (المعاويّ) نسبة إلى جدّه معاوية بن محمد والذي ينتهي نسبه إلى أبي سفيان، وقد قام أحد الحكام بشطب الميم من نسبه في رقعة وصلت إليه، وتشير مجمل الأخبار التي ذكرها المؤرخون إلى اعتداده بنسبه وتكبّره، ومنظرانيته، إذ كان مهتمّاً غاية الاهتمام بشكله ومظهره، وفوق ذلك هو أحد العلماء المعدودين، وأحد القرّاء ورواة الحديث. وهذا كلّه جعل الشاعر مغروراً، مما أدى إلى ظهور هذه المواصفات جليّةً في شعره، ولا يتسع المقام لذكر ذلك في شعره النجدي أو العراقي، وفي قصيدته القدس تظهر صفاته الحقيقية، فهو العالم القارئ المستقرئ للواقع لا يجافي الواقع ولا يحاول تجميله، ولا يرتكز إلى الأمجاد الغابرة، شأنه في ذلك شأن الشعراء الآخرين، وإنما يلتقط صورة واقعية مرّة، فهو أمام ضدّين اثنين: القوّة والضعف ومن خلالهما يصوّر المفارقة المؤلمة، والتي يسعى من خلال تصويرها إلى استنهاض الهمم، ويدعو إلى الجهاد من أجل استخلاص مدينة القدس من براثن الصليبيين، وجعل عناصر القوة والبطش كلّها في المحتلّ الغازي القادر، وعناصر الضعف في العُزَّل أهل القدس، وفي العرب والمسلمين عموماً، وما بين القوة والضعف تكمن دعوته لتجاوز هذا الضعف.

قوة العدوّ:
(الحرب شبت نارها بالصوارم)
(تسومهم الروم الهوان)
(دماء أُبيحت)
(السيوف البيض محمرّة الظبا)
(سمر العوالي داميات)
(الطعن والضرب)
(سللن بأيدي المشركين قواضباً) 
(ستغمد في الطلى والجماجم)
(الحرب ترنو ملمّة)
ضعف العرب:
(مزجنا دماءً بالدموع)
(شرّ سلاح المرء دمع)
(أتهويمة في ظل أمن وغبطة)  
(تنام العين ملء جفونها)
(تجرون ذيل الخفض)
(دماء أُبيحت)
(دمىً تواري حياء حسنها)
(لا يشرعون إلى العدا رماحهم) 
(يجتنبون النار خوفاً من الردى)
(لا يحسبون العار ضربة لازم)
(ليتهم ضنّوا غيرةً بالمحارم)
(فهلاّ أتوه رغبة في المغانم)
(أذعنت تلك الخياشيم)

بين قوة العدو القادم وضعف العرب الذي يلازمهم تبرز صورة المفارقة التي يريد الشاعر من خلالها أن يشحذ الهمم من أجل نجدة القدس، وهو لم يترك عنصراً من عناصر التحفيز إلا واستخدمه، ابتداءً من استثارة الغيرة والحمية على الأعراض والنساء اللواتي أُبحنَ في الحرب، مروراً بالتذكير بالقوة العربية، وانتهاءً بالتحفيز المادي الذي يمكن أن يحصلوا عليه فيما لو أنجدوا بيت المقدس، وكأنه بذلك قسم المسلمين والعرب إلى جماعات، بعضها يثور لغيرة، وبعضها يثور لنخوة وعزّة، وبعضها يثور لمكسب ومغنم، فإن لم تهبّ جماعة هبّت أخرى، وبالنتيجة فإن ما يريده الشاعر من نجدة سيتحقق بطريقة أو بأخرى. فهل كان له ما أراد؟ وبعدَ كمْ من السنوات تحقق ما أراده ودعا إليه الشاعر؟

قيمة القصيدة:
تكمن قيمة القصيدة في علوّها فنّياً، فهي قصيدةٌ قويةٌ مبنىً ومعنى، وبعيدة عن الثرثرة، واختار لها الشاعر البحر الطويل المناسب لتصوير مأساة طويلة، واختار الميم المكسورة التي تنتهي بدعوة مفتوحة تدل على الألم والتوجع.. كما تكمن منطقية الشاعر الذي دعا العرب والمسلمين إلى نجدة القدس المدينة الغالية المقدّسة دون اللجوء إلى أي شعار مقدس، على الرغم من معرفته وعلمه، وإنما لجأ إلى استخدام المعاني الإنسانية العالية، وإلى استثارة الغيرة والحمية، وهو بهذا تقدم أشواطاً بعيدةً على شعراء زماننا الذين تحدثوا عن مأساة القدس التي تكررت.. لذلك بقيت قصيدة الأبيوردي وعاشت على الرغم من إهمالها كنموذج من نماذج الشعر الذي حفظ لنا التاريخَ طازجاً.

تسجيل حيّ للهمجية:
القيمة الحقيقية للقصيدة هي في أنها تسجيل تاريخي لهمجية المحتلّ، والشاعر هنا لا يريد أن ينقل صورة عبر وسائل الإعلام، وإنما يسجّل وثيقة أدبية تاريخية لاجتياح مدينة مقدسة مسالمة ليس فيها أي عنصر من عناصر القوة، ولا يهبّ أحدٌ لنجدتها، فالقوة التي جاء بها المحتلّ تمثّل ذروة القوة في ذلك الوقت، والقدس لا تملك إلاّ الدمع ومعاصم الحرائر، وهذا المنطق الذي استخدمه الشاعر، قد يراه بعضهم استهانة بالشعور العام، لكنه ليس كذلك، فلا يعتمد على بطولات فردية، ولا على فخرٍ أجوف، ولا يستنجد بتاريخ قوي للعرب والمسلمين.

إنّ الشاعر يصور واقع سقوط الأعزل بين أيدي المتسلّح بكل أنواع السلاح، القادم للغزو عن سابق إصرارٍ وتصميم، ويسجل للتاريخ وصمة عارٍ على جبين الحملات الصليبية التي ادّعى أصحابها أنّ المسلمين والعرب يفعلون الأفاعيل. وهذه الصورة هي التي كانت سبب أنْ أبدأَ البداية التي اخترتها من زيغريد هونكِه وشهادتها على الحروب الصليبية، فهي التي رأت أنّ هذه القصيدة أظهرت العار الذي التصق بالأوروبيين وحروبهم المقدسة كما يزعمون، وليست هذه النتيجة قراءةَ عربي فيما جاء. وقد اختارت هونكِه هذه القصيدة لما فيها من صوَرٍ مؤلمة لوحشية الحروب الصليبية وهمجيتها أمام شعب مسالم أعزل! فكيف رأت هونكِه هذا ولم نرَه نحن أصحاب القضية؟!

وستبقى هذه القصيدة شاهدة على ما حلّ في بيت المقدس على أيدي القوات الأوروبية الغازية التي حملت اسم حروب الإفرنج عند العرب، والحروب الصليبية عند الأوروبيين أنفسهم.

القدس بين الأمس واليوم:
من قبل الميلاد كانت القدس قلب الصراع، وعلى الدوام كان العرب يسترجعون مدينة القدس، ومع الميلاد ازدادت مدينة القدس اشتعالاً وصراعاً بين المسيحية واليهودية، ومع توالي الأحداث حاول الأقوام تغيير هوية مدينة القدس جغرافياً وسكّانياً، ولكنّ هذه المحاولات باءت بالفشل، وجاءت جيوش الإسلام وكانت القدس آمنةً سليمة، وصارت لدى المسلمين في مكانتها المقدسة لكونها أولى القبلتين ومعراج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى السماء.

ولو عدنا إلى التاريخ والأدب لعرفنا قيمة القدس ومنزلتها لدى المسيحيين الذين يطلقون على زائرها لقب (مقدّس) ويتم التبرّك بهذا الزائر والتمسّح بمسوحه وثيابه، وكذلك عند المسلمين، فحتى عام 1967 كان أغلب الحجاج الذين يؤمون بيت الله الحرام في مكة المكرّمة يكملون حجهم بزيارة القدس، وقد توقّف هذا الطقس مع الاحتلال الإسرائيلي لمدينة القدس، وبقي حسرةً في نفوس المسيحيين والمسلمين على السواء، خاصة وأنّ القدس كانت مفتوحة لجميع الناس على الدوام، ومع الاحتلال الإسرائيلي كان السعي محموماً لإسباغ الصفة اليهودية عليها.

تشكل القدس اليوم عقدةً من العقد العصيّة على الحل في الأزمة الفلسطينية، وربما كان من حظ القضية أن ترتبط هذا الارتباط العضوي والجوهري بالقدس المدينة المقدسة، لأنّ هذا الارتباط هو الذي سيكفل لها مع الأيام – إنْ طالت وإنْ قصُرت – أن تكون عربية ومقدّسة.

بكى الأبيوردي بيت المقدس عند سقوطها، ودعا إلى شحذ الهمم، وقد طال الوقت حتى شحذ العرب والمسلمون الهمة وحرروا القدس الشريف، لكنّ التحرير قد تمّ، وهنا لا نراهن على التحرير مع الزمن لأنّ التحرير لم يتم لولا أنْ تم العمل والتحضير له، وكذلك اليوم، فإنّ القدس تستصرخ، والأدباء كتبوا وحاولوا، وأدركهم اليأس، ولكنّ التحضير الحقيقي وإعداد العدّة والقوّة سيحرر القدس من أيدي المحتلّين من جديد، وحتى يتمكن أصحاب الحقوق من استعادة حقوقهم نردد ما قاله الأبيوردي، وما قاله أدباؤنا وشعراؤنا مع القدس المعاصرة، مع إيماننا بأنّ شرّ السلاح الذي نواجه به أعداءنا هو سلاح الدمع:

وشرّ سلاح المرء دمع يُفيضه
إذا الحرب شبّت نارها بالصوارمِ
ونردد مع الأبيوردي حين قال عن نفسه، وكأنّه يتحدّث باسم القدس: 
تنكر لي دهري ولم يدرِ أنني
أعِزُّ وأحداثُ الزمان تهونُ
فبات يريني الخطبُ كيف اعتداؤه
وبِتُّ أُريه الصبرَ كيف يكونُ
  ونجعل قولَه شعاراً:
من أغفل الحزمَ أدمى كفّه ندما
واستضحك النصرَ من أبكى السيوف دما
استضحك الأبيوردي السيوف، ومات مسموماً، فكانت القدس مدينةً ضائعةً والأبيوردي الشاعرَ المُضَيَّع!

*     *     *
 
المصادر والمراجع
- الأعلام، خير الدين الزركليّ، دار العلم للملايين – بيروت، ط 5، 1980
- بُغية الوُعاة، السيـوطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية – بيروت، بلا تاريخ.
- تاريخ الأدب العربي، د. عمر فرّوخ، دار العلم للملايين – بيروت، ط 1، 1979.
- التوجّه الأوروبي، زيغريد هونكِه،  ترجمة د. هاني صالح، دار الرشيد – دمشق، ط 1، 1998.
- ديوان الأبيوردي، تحقيق د. عمر الأسعد، مجمع اللغة العربية – دمشق، ط 1، 1975.
- ديوان البستي، تحقيق درّية الخطيب – لطفي الصقال، مجمع اللغة العربية – دمشق، ط 1، 1989.
- المحمدون من الشعراء، القفطي، تحقيق رياض مراد، دار ابن كثير – دمشق، ط 2، 1988.
- معجم الأدباء، ياقوت الحموي، تحقيق د. إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي – بيروت، 1993.
- معجم البلدان، ياقوت الحموي، دار صادر – بيروت، 1979.
*     *     *
 

إسماعيل مروة

المصدر : مجلة المعرفة العدد 544
عدد القراءات : 2970
2010-07-29
إلى الأعلى إرسال لصديق PDF طباعة إضافة تعليق
 
 
© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة القدس للثقافة والتراث