صحيفة:لقاء فتح وحماس القادم سيبحث مستقبل عمل حكومة التوافق بغزة    حماس تعلن اعتذار مصر عن استضافة جلسات "المصالحة" والجهاد تعتبر "المكان" ليس مشكلة    الأسير العيساوي يهدد بالعودة إلى الإضراب    الرحلة الأولى للحجاج الغزيين تغادر إلى جدة فجراً وآخر رحلة الاثنين    تضامنا مع أسرى حماس والجهاد.. الأسرى يدرسون الامتناع عن الزيارات بشكل جماعي     عباس وكيري يبحثان تطورات الأوضاع على الساحة الفلسطينية      نتنياهو يدلي بشهادته حول الحرب أمام لجنة تحقيق الكنيست    إصابات بمواجهات عقب تعطيل الدراسة بالقدس المحتلة     الحساينة: لجنة حصر الأضرار تباشر عملها الأحد المقبل    الرفاعي: لملمة الجراح وإعادة الإعمار والإعداد العسكري هي من أولوياتنا
اليوم : 2014/10/20
القدس في 20/10
  متابعات ثقافية
نشاطات المؤسسة
ندوات وأمسيات
مهرجانات ومؤتمرات
معارض فنية
إصدارات
آداب وفنون
الشعر
القصة والرواية
المسرح والسينما
الفنون التشكيلية
أدب النكبة
أدب الأسرى
المقالة
قضايا وآراء
من وحي القرآن
أعلام وعلماء
أحسن القَصَص
واحة الإبداع الشبابي
المزيد
أدب الأطفال
قصائد للأطفال
قصص للأطفال
أطفال مبدعون
 
برأيك هل بإمكان الثقافة خدمة القضية الفلسطينية في الوقت الحالي






نتائج التصويت تصويتات سابقة
القصة والرواية 
إشكالية المؤلف والراوي والشخصية في نص "خرافية سرايا بنت الغول" وموقف الدارسين منها!
الدكتور عادل الاسطه

 ترمي هذه الكتابة الى الخوض في إشكالية المؤلف والراوي والشخصية القصصية في النص الروائي ، وتتبع ظاهرتي الاتصال والانفصال بين هؤلاء الثلاثة من خلال نص إميل حبيبي "خرافية سرايا بنت الغول" (1991).
 
وتسير الدراسة في الخطوات التالية :
 
أولا :     إشكالية المؤلف والراوي والشخصية في النقد الروائي.
ثانيا :     الدارسون الذين تناولوا نص إميل حبيبي المعاين هنا، ووقوفهم عند هذه المصطلحات.
ثالثا :     إشكالية المؤلف والراوي والشخصية في النص.
 
اولا :   إشكالية المؤلف والراوي والشخصية في نقد الرواية:
يثير دارسو الفن الروائي العديد من الأسئلة حول هذه الإشكالية ، وأبرزها:
-    هل يكون القاص مجرد وسيط بين شخوصه وما ألم بهم والقراء؟ بمعنى آخر: هل يقول لهم انه يريد أن يقص عليهم شيئاً ما ثم ينسحب شخصياً.
-    هل يكون القاص شخصية محورية داخل قصته ؟
  بمعنى آخر: هل يقص عن ذاته أيضاً؟ وهل يشير إلى ذلك؟
-    هل يكون القاص أصلاً لقواعد القص؟ فلا يقول شيئاً، ابتداء، ولا يكون، بناء على ذلك، وسيطاً، ولا يقص أيضاً عن ذاته؟ ([1])
واختلف نقاد الرواية أيضاً حول طريقة دراسة الرواية ونقدها اختلافهم في طريقة دراسة النصوص الأدبية بشكل عام. فهل يقرأ النص الروائي معزولاً عن مؤلفه، كما يذهب بعض البنيويين؟ أم يقرأ النص وصاحبه والظروف التي عاشها والعصر الذي انتمى إليه وما شهده العصر أيضاً؟
          ولن يكون المرء، حين يتبع الطريقة الأولى، بحاجة إلى مناقشة هذه الإشكالية في جوانبها الثلاثة، لأنه سيسقط من حسابه كل ما هو خارج النص، وتحديداً المؤلف، إلا إذا كتب المؤلف خطبة لنصه ذيلها باسمه الصريح، أو إهداء مهره باسمه، أو توضيحاً في هامش، ويٌكتفي هنا بتتبع السارد والشخصيات وتحديد سمة كل من هذه. أعني: السارد المحايد والسارد غير المحايد والسارد كلي المعرفة والسارد جزئي المعرفة، والشخصية الرئيسة والشخصية الثانويــة والشخصية النامية والشــخصية الثابتة والشخصية النمطية والشخصية النموذجية. وإذا مـــا برزت شخصية مؤلف داخل النص نفسه، ذهب الدارس إلى أنه سارد أو شخصية روائية، ولا يلجأ في هذه الحالة إلى الربط بينه وبين الكاتب الحقيقي وما يعرفه عن الأخير. وقد يدرج الدارس أيضا خطبة الكاتب الحقيقي وما يشير إليه في الهوامش، على أنها جزء من النص، فلا يلتفت إلى ما هو خارج الكتاب الذي بين يديه.
ويختلف الأمر في أثناء دراسة الدارس النص، وهو يتبع الطريقة الثانية. وهنا يمكن أن يبحث عن شخصية المؤلف في نصه فيقابل بين الكاتب والكاتب الضمني، والكاتب والسارد، والكاتب وبعض شخصيات الرواية. وينهج الدارس نهج المقارنة والمقابلة، فيقارن ويقابل بين ما يعرفه من معلومات عن المؤلف وبين ما يرد عن الأشخاص الذين يقرأ عنهم في الرواية، ومن ضمن هؤلاء، المؤلف الضمني - إن وجد - والسارد والشخصيات الروائية. وهو - أي الدارس- هنا لا يأخذ بمقولة موت المؤلف خلافا لما هو الأمر عليه في الطريقة الأولى.
وينبغي، هنا، الوقوف قليلا عند مصطلح "المؤلف الضمني".
يرى بعض دارسي فن الرواية أن هناك قاصا افتراضيا في كل نص قصصي، اليه - أي القاص الافتراضي - تعود الأقوال. ويستقل هذا، في أثناء الوصف والسرد، بذاته كما لو أنه شخص ثان منشق عن المؤلف. يخلق المؤلف هذا القاص الافتراضي - وقد لا يكون كاتبا آخر مطلقا - ويسقط ذاته عليه، ولكنه - أي الكاتب الحقيقي - يجد نفسه، وهو يكتب ، وقد اكتشف نفسه أو خلقها([2]).
وليست الطريقة الثانية، في النقد العربي بشكل عام، جديدة كل الجدة. ومن قرأ نقد عباس محمود العقاد لكل من أبي نواس - الحسن بن هاني،- وابن الرومي يعرف أنه درس نفسية الأول من خلال الأخبار التي رويت عن حياته، وأنه - أي العقاد - استنتج منها سمات ما حول شخصيته، ليبحث من ثم عنها، أو عما يؤكدها، في شعره. ودرس ابن الرومي الذي لم تتوفر أخبار عن حياته من خلال شعره.
ويختلف المنهج الذي أتبعه هنا عن منهج العقاد، فليس القصد البحث عن نفسية الروائي من خلال ما يروى عنه والتأكد من ذلك من خلال نصوصه، تماماً كما أنني لا أرمي إلى البحث عن نفسية إميل حبيبي من خلال نصوصه. وجل ما أبتغيه معرفة ما إذا كان الكاتب يكتب عن ذاته، فيما يكتب، وفيما إذا كانت رواياته تدرج تحت باب رواية السيرة الذاتية، حتى إذا ما توصل الدارس إلى هذا أسلم نتائجه للناقد الذي يطبق المنهجين النفسي والاجتماعي.
وهكذا تبقى هذه الدراسة أسيرة المنهج الذي يقرأ النص اعتماداً على الجنس الأدبي الذي يدرج تحته، مستعيناً بالقواعد والأسس التي أرساها النقاد المؤسسون المؤصلون لقواعد الأجناس الأدبية. ويختار الدارس هنا، في تطبيقه، جزئية واحدة من جزئيات الفن الروائي هي الجزئية المذكورة في العنوان، والموضحة فيما سلف .
ويبدو إميل حبيبي نموذجاً جيداً لدراسته هنا وفق المنهج هذا. وقد أنجزت دراسة قريبة من هذه، مع اختلاف قليل، هي دراستي لروايته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" (1974) ([3])، حيث قابلت بين شخصية سعيد وإميل نفسه. ولم تكن المقابلة مفتعلة، كما لم تسفر عن نتائج خاطئة، إذ أكد إميل حبيبي، في اللقاء الأخير الذي أجري معه، على أنه كان يكتب، في المتشائل، عن ذاته.
س 1   هل هناك أصل واقعي لشخصية سعيد أبي النحس المتشائل؟
جـ     كنت أكذب وأقول في الماضي إن شخصية سعيد أبي النحس هي عكس شخصيتي. ولكنني الآن في عمر لم أعد فيه بحاجة إلى الكذب. لقد كنت أتحدث في "المتشائل" ، إلى حد كبير، عن نفسي. وعقلانيته هي عقلانيتي إلى حد ما. وقد كنت حتى في قيادة الحزب أحاول أن أمنع أية مغامرة بأعضاء الحزب وبالشعب كله. ربما أكون أول من نجح في وقف خطئنا الكبير والأساسي، وهو أننا عادينا كل من وجد عملاً ليعتاش منه في إطار المؤسسة الاسرائيلية الحاكمة" ([4]).
وعلى العموم فسوف أحاول، هنا، الوقوف بقدر من التفصيل، عند "خرافية سرايا بنت الغول"([5]).
 
أولا : إشكالية الرواية / الخرافية فنيا:
إذا أردنا معالجة الإشكالية في النص المختار فعلينا أن نتفق، ابتداء، على إدراجه تحت جنس الرواية، وهذا ما لا يبدو واضحا للمؤلف نفسه، وهو ما خاض فيه الدارسون. وسأقف عند هاتين النقطتين مفصلا.
أ - أين يصنف إميل حبيبي نصه فنياً؟
يربك المؤلف، في أثناء تحديد جنس نصه الأدبي، الناقد الأدبي. فهو يختار العنوان التالي لها: "خرافية سرايا بنت الغول"، ويكتب، مقابله، بالانجليزية العبارة التالية:
"SARAYAH BINT EL-GOOL ' - A NOVEL
مترجما كلمة "خرافية" بـ "NOVEL" ، وليس هذا بصحيح.
ويكتب في المقدمة ما يلي:
"ولما كنت "مؤمنا"، و "المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين" فقد أخرجت "سرايا بنت الغول" من جنس الرواية الطويلة منذ البداية. فما هي، اذن؟
سميتها "خرافية". فقد وجدتنا - نحن العرب الفلسطينيين، متخصصين وغير متخصصين، نستعمل هذا التعبير - "خرافية" - لكل فعل مدهش.."([6])
ولكن إميل يناقض نفسه، فيكتب في المقدمة نفسها:
"وأما بطل روايتي فقد مضى، في طول الرواية، يبحث عن فتاة كان أحبها في صباه - ثم أشغلته همومه اليومية عنها. فأهملها حتى عادت وظهرت له في شيخوخته. فمن هي "سرايا" هذه ومن هو "الغول"؟ فإنني كعادتي في رواياتي السابقة، لا أخطط لتداعيات الرواية قبل الشروع في كتابتها .."([7])
ويكتب أيضاً:
"وقد شبهتهم، في روايتي الأخيرة، بشجرة الأجاص.." ([8])
ويبدو أن مرد هذا الإرباك عائد إلى عدم إلمامه إلماما دقيقاً بالفروق بين الأجناس الأدبية. ويعزز رأيي هذا ما يورده في الهامش رقم 19 من صفحة 20 حين يأتي على ذكر نصه "سداسية الأيام الستة" الذي اختلف الدارسون حول جنسه: أهو رواية أم مجموعة قصصية؟ فيكتب:
"وتحدثت عن الأشباح الهائمة في روايتي القصيرة" أم الروبابيكا" وهي الرواية الثالثة في "سداسية الأيام الستة". ظهرت، لأول مرة، في العام 1968. المؤلف".
ويذهب في متن ص 75 مذهبا آخر، وذلك حين يعتبرها سيرة: "فقد حملت، بحسب اعترافها، أربعة عشر بطناً أنجبت منها أحد عشر ولدا عاش منهم وشب واستشب تسعة ما بقي منهم، على حد علمي حتى كتابة هذه السيرة، سوى خمسة".
ويكرر هذا في ص77 :
"فلا يطلبن مني قارىء من قراء هذه السيرة .."
وسرعان ما ينقلب على هذا في بداية ص 78 :
"واستمر في هذه "الخرافية" وقال:"
ويكرر هذا في ص 86 :
"ويحكي ويحكي ويسترسل في "الخرافية" ... "
ويعود في الصفحتين 97 و 98 ليستخدم المفردتين معاً:
"فإلى متى تطلبون مني، يا أحبائي الأحياء منهم والغائبين التمهل في انجاز هذه "الخرافية"؟ فلولا إدراكي أن الموت حق لمضيت في التمهل حتى العدم ولما كانت هذه السيرة وما فيها من خيانات الذاكرة ومن الأمانة في خيبة الآمال".
ويعدها في ص 127 سيرة، وفي ص 139 تارة رواية وطوراً خرافية، وفي ص 143 خرافية، وفي ص 144 سيرة وخرافية معاً: "وهذا الآتون هو هذه "الخرافية" ، السيرة المسيرة".، وفي ص 150 سيرة، وفي ص 159 خرافية، وفي ص 181 خرافية، ويرد في هامش 39 في صفحة 182 ما يلي:
"انتهينا من كتابة هذه "الخرافية" - في نصها النهائي (الحالي) صباح يوم الاثنين 24/9/1990 / المؤلف".
وهكذا يخرج الناقد والقارىء دون أن يعرف أهي رواية أم خرافية أم سيرة، ويعود السبب في ذلك إلى استخدام المؤلف هذه المفردات في أثناء تصنيفها، وان أبرم، ابتداء، عقداً ما مع قارئه حين أخرجها لفظاً من جنس الرواية وسماها خرافية
ب - تصنيف النقاد لها:
وقف العديد ممن تناولوا "خرافية سرايا بنت الغول" أمام نوعها الأدبي الذي تنتمي إليه. وقد رأى فيها ياسين رفاعية، في مقالته الموجزة([9])، سيرة ذاتية للمؤلف، ولكنه لم يبرهن ذلك، ونراه  يَنْعَتُها تارة بأنها سيرة وطوراً بأنها رواية.
وقد وقف صدوق نور الدين في مقالته "قراءة نقدية في سرايا بنت الغول"([10]) أمام "مسألة التجنيس" مدفوعا إلى ذلك بموقف إميل حبيبي في المقدمة التي صدر بها نصه، ورأى صدوق أن هذه الخرافية هي "سيرة ذاتية روائية، تخلخل المتداول على مستوى كتابة السيرة.." والسبب في ذلك أن "السائد كون السيرة موضوعية واقعية لا تحتاج إلى ما يكسر مثل هذا المسار.. لولا أن "سرايا بنت الغول" تؤسس فعل الكتابة بالربط إلى حد عدم الفصل بين الواقعي، الشعري، الحكاتي والأسطوري...".
وكان الدكتور صلاح فضل قد درسها على أنها رواية لا يكتفي المؤلف فيها "بالتماهي الشديد مع الراوي والاغتراف المباشر من مخزون ذاكرته الشخصي من الأحداث، بل يصر على ذكر الأسماء التاريخية في هوامشه هنا،..." ([11]) وقد كرر الدكتور في دراسته مفردة الرواية على مدى صفحاتها التي بلغت العشرين تقريباً، ولم يحد عن نعتها بأنها رواية تفيد من مادة السيرة الذاتية إلا في موضعين ظهرا في الصفحة الأخيرة حيث نعتها فيهما بأنها خرافية.
ويحسم الدكتور إحسان عباس، وهو الملم بالأجناس الأدبية إلمام الدارس المنظر، يحسم، في رسالته التي كتبها إلى إميل حبيبي، رأيه في الجنس الأدبي الذي تنتمي إليه "خرافية سرايا بنت الغول"، وذلك حين يكتب:
"وأخيراً، وأنا في عمان، أرسلت إلى نسخة من سرايا بنت الغول التي أعدها أجمل سيرة ذاتية فنية كتبت بالعربية. إنها نموذج جديد في هذا النوع الأدبي".([12])
ويختلف عنه الناقد صبحي شحروري اختلافاً كلياً. لقد كتب الشحروري دراسة لفت عنوانها النظر، إذ رأى فيها - إن اعتبرت "سرايا بنت الغول" نصاً روائيا - نصا يعاني من أزمة : "أزمة الرواية في خرافية سرايا بنت الغول" ([13]). ويعتمد الناقد في تحديد جنسها على فهمه لجنس الرواية كما عرفته الآداب الأوروبية عموما، ولا ينطلق من اعتماد "أشكال القص العربي القديم  الذي يحاول حبيبي نسبة أعماله اليه".([14]) ويذهب الى أن ادعاء المؤلف بأن هذا العمل رواية ... ادعاء يجانب الصواب ([15])" ويرى أيضاً أن الادعاء بأنها "خريفية" هو ادعاء أشد وأقسى "([16]) ويتوصل إلى أنها ليست رواية وليست خريفية، ويفسر فشل كونها خريفية، وهذا ما سأشير إليه بعد قليل.
ويبدو سبب الاختلاف بين شحروري وحبيبي عائدا إلى فهم كل منهما إلى جنس الرواية أصلا ونشأة، ففي حين يميل الثاني إلى ربط أصول الرواية بالتراث القصصي العربي- وهو ما يلحظه المرء حين يشير ([17]) إميل إلى رسالة الغفران فيرى فيها رواية (ص 91)، والى نص ابن طفيل "حي بن يقظان" (ص 90) - نجد الأول يربط بين فن الرواية وأوروبا، وينفي بذلك أن تكون هناك أصول روائية في الأدب العربي. ويتساءل شحروري:
"هل بنى إميل حبيبي شهرته في العالم العربي والغربي على أنه كاتب مقامات وخرافيات؟ أم على أنه روائي؟ وإذ قيل إن هذه روايات من نوع خاص فان من حقنا مناقشة ذلك" ([18]).
 
ثانياً: موقف النقاد من إشكالية المؤلف والراوي والشخصية في النص:
يثير الدارس التساؤل حول هذه الإشكالية ، فقط، في اللحظة التي يقر فيها أن "خرافية سرايا بنت الغول" نص روائي. أما إذا ذهب إلى أنها خرافية فلا حاجة له إلى الوقوف عندها - أي عند الإشكالية - . وتتسم الحكاية الخرافية، كما يكتب نمر سرحان في موسوعة الفولكلور الفلسطيني، تتسم بأنها ذات "طابع معين من البدائية والتوحش يجعل تاريخها ممعناً في القدم، يرويها أفراد اشتهروا بالقدرة على الحفظ والرواية ويتناقلها الناس جيلاً بعد جيل، فهي جزء من موروثاتهم الشعبية القولية التي لا يعرف لها مؤلف، والتي تروى باللهجة المحلية".([19])
وليس الأمر، في نص إميل حبيبي، كذلك. فلا النص ممعناً في القدم، ولا هو باللهجة المحلية، ولا هو مجهول المؤلف، ولا هو بالفن القولي.
وإذا ما ذهب الدارس إلى أن النص سيرة ذاتية انتفت ضرورة هذه الإشكالية - إشكالية الكاتب والسارد والشخصية - لأن المؤلف والسارد والشخصية هم، في النهاية، شخص واحد.
والذين وقفوا عند الإشكالية المذكورة كانوا، بوعي أو بغير وعي، يحاكمون النص على أنه رواية. وسوف أقف، هنا، وقفة عابرة عند الدراسات التي استطعت الحصول عليها واستخدم كاتبوها مصطلحات المؤلف والسارد والشخصية لملاحظة كيفية التعامل مع هذه الإشكالية.
لقد كتبت أحمــــد رفيق عوض دراسة تحت عنوان "خرافية سرايا بنت الغول : إميلياذا بطعم الكرمل والكراميل" ونشرها في مجلة "الكاتب" المقدسية، في آيار 1991، وجاء في أثناء حديثه عنها ما يلي:
"لا يمكن أن نبعد عن أذهاننا في أثناء قراءة الخرافية أن الراوي هو المؤلف نفسه" ولم يكتب عن المؤلف والراوي والبطل أكثر من هذا. ([20])
ونشر كل من الدكتورين عيسى أبو شمسية ومحمود العطشان دراسة عنوانها "أزمة الشكل الفني في "خرافية سرايا بنت الغول": بين تداعيات الواقع ورمزية الرؤية"، ظهرت على صفحات مجلة "كنعان" في حزيران 1991. ويلاحظ القارىء لها - أي للدراسة - الحيرة البارزة لدى الكاتبين. فتارة نقرأ:
"وفي أحيان أخرى تطل علينا شخصية المؤلف بقوة مما يزيد حيرة القارىء من هذا التداخل الذي يقوم على ثالوث متشابك: البطل والرواي والمؤلف، إلى حد لا ندري معه إن كان هذا العمل خرافية أو حكايات واقعية أو مذكرات أو سيرة ذاتية" ([21]).
ويأتي المؤلفان بأمثلة توضح هذا التداخل وتبينه. ويكتفي الدارسان أحياناً بالربط بين الراوي والمؤلف "وفي موقع رابع، وحين يتحدث الراوي - المؤلف عن زميله في الدراسة الشاعر ابن شيخ عين غزال.."، ويفصلان أحياناً أخرى بين المؤلف وبطله "وكذلك حين يكشف المؤلف عن أن بطله كان يسافر إلى موسكو ..." ويعودان، في النهاية، إلى الكتابة" وهناك إشارة واضحة الدلالة إلى أن البطل هو الراوي وهو المؤلف..." ([22])
          ولم يلتفت د. أحمد حرب في دراسته "سرايا" و "العصا" وسيكولوجية الإبداع الفني في رواية إميل حبيبي "سرايا بنت الغول" التي نشرها في جريدة "القدس" الصادرة في القدس [23])، لم يلتفت إلى هذه الإشكالية، وإن سمى النص رواية، كما هو واضح من العنوان، وكما يبــدو في إثناء كتابته.
ويجدر الوقوف هنا عند دراسة صبحي شحروري "أزمة الرواية في خرافية سرايا بنت الغول" وفيها يربط الكاتب بين المؤلف والبطل اللذين تبدو لغتهما واحدة، ويرى "انتفاء وجود شخصيات أخرى غير شخصية البطل الملتبس بالمؤلف. وان ظهرت شخصيات أخرى فإنها سرعان ما تختفي؟؟" ([24]) ويرى شحروري أيضاً "أن الموقف الإيديولوجي للشخصية الرئيسة (البطل  ولا شخصية سواه) غير منفصل عن موقف الكاتب "([25]) ويذكر أيضاً "انك لا تدري عمن يدور الحديث، عن الشخصيات المهمشة أم عن المؤلف الراوي البطل الذين يبدون، أحياناً، أنهم شخص واحد" ([26]) ولا يعتمد شحروري في حكمه هذا على ما هو خارج النص، وإنما يعتمد فقط على لغة النص أساساً. والملاحظة الوحيدة التي اعتمد فيها على معرفته بإميل كانت على جانب من التناقض ، ففي حين يكتب:
"إن العراك السياسي لم يترك لإميل حبيبي كثيراً من الوقت ليقرأ، ولذا نراه يفرح عند وقوعه على نصوص مدهشة وقد حشد شذرات من هذه النصوص في صلب نصه، ولم يستلهمها وإنما جاء بها بحرفيتها" ([27]) نجده يكتب في موطن آخر" لكن ثقافة البطل أطاحت بالنص" ([28]) .
وعلى الرغم من أن إميل لم يقرأ، كما يعترف، لكتاب مشهورين مثل جبرا ابراهيم جبرا وآخرين، إلا أن ما يظهر من خلال نصه "المتشائل" يشير إلى أنه قارئ جيد لكلاسيكيات الأدب العالمي.
          ويبدو محمود حمزه غنايم في كتابه "المدار الصعب: رحلة القصة الفلسطينية في اسرائيل" (1995) ([29]) أفضل من وقف عند هذه الإشكالية.
          ولا أعرف إن كان هناك دارسون آخرون تناولوا هذه الإشكالية تناولاً تفصيلياً، فثمة دراسات أشار إليها د. غنايم في هامش ص 127 ، ص 249 لم استطع الحصول عليها ([30]).
يذكر غنايم أن "الراوي في هذه الرواية متغير، مثلما أن بطل الرواية كذلك متغير"([31]) ويتوصل - بعد أن يلاحظ ما يرد في الرواية وما يعرفه عن إميل حبيبي، وهنا يحيل قراءة النص إلى ما هو خارج النص - إلى ما يلي:
"هكذا تبدو هذه الرواية عملا بالغ التركيب يمزج بين الرواية وبين السيرة الذاتية، بين رواة متعددين وأبطال لا ندري صلتهم تماماً بالمؤلف. وكلما حاول القارىء أن يهتدي إلى خيط يقوده نحو تحديد اتجاه معين جاءت عدة حقائق لتلغي هذا الاتجاه"([32]).
ويعود السبب في هذا، من وجهة نظره، إلى"المراوغة المستمرة بين الواقع والمتخيل تظهر من خلال بعض الإشارات التي يثبتها المؤلف في الهامش. وهذه الملاحظات تتضمن اعتراف المؤلف انه يروي سيرة ذاتية، لكنه مزج هذه السيرة بالخيال"([33]).
ويؤكد غنايم هذا في هامش 142 من صفحة 258 حيث يورد ما يلي:
"بناء على إشكالية المراوغة بين المؤلف/الراوي/ البطل لا يمكن التحديد بدقة من هو المتحدث. لذا، فان ذكر أحد أركان هذه المعادلة خلال التحليل تعني الإشارة إلى جميع أركانها".
ويمكن الوقوف هنا ثانية عند دراسة د. فضل. لا يميز الدكتور بين الراوي والشخصية إطلاقاً، وهو على ما يبدو يرى فيهما شخصاً واحداُ دون أن يبرهن ذلك، وحين يكتب فإنه يكتب عن المؤلف والراوي فقط، ولا يرى فرقاً كبيراً بين هذين، وما يفصل الأول عن الثاني ليس سوى خيط دقيق" لا يبين سوى في إسناد الضمير إلى فعل القول. فليس هناك فرقٌ جوهري بين الغائب والمتكلم... ومهما جهد القاريء، في التماس الفروق المائزة بينهما فإنه لن يدرك من ذلك شيئا ذا بال، حتى ليغدو الحوار الذي تقيمه الرواية بينهما افتراضيا لم يقلّ في أية لحظة، إذ لا يحمل أصواتاً عدة ولا شخصيات متباينة، ولا منظورات متقابلة" ([34]).
وأرى أن المؤلف والراوي والبطل هم، في النهاية، إميل حبيبي نفسه. ولإثبات هذا سأسير في اتجاهين:
الأول:   قراءة النص وقراءة المؤلف في الوقت نفسه - أي إحالة النص إلى ما هو خارجه للبحث عما هو مشترك بين سيرة حياة إميل حبيبي، وسيرة حياة المتحدث عنه في النص.
الثاني :     قراءة الكتاب وحده من ألفه إلى يائه دون الاستعانة بأي مصدر خارجي آخر. وهنا نقرأ النصوص الموازية للمتن، وأقصد بذلك خطبة المؤلف والهوامش الكثيرة التي دونها إميل حبيبي.
 
وعلى الرغم من أن خطبة المؤلف والهوامش تعدان خارج إطار النص - أي متنه - إلا أنها جزء منه. وقد يرى بعض الدارسين أن القراءتين تتداخلان فيما بينهما حيث تشكلان معا قراءة واحدة، فإميل هو الذي كتب خطبة المؤلف وهو الذي أورد الهوامش على أنها جميعا - أي الخطبة والهوامش -من كتابته وتعود إليه في الوقت نفسه. وإذا كان نقاد الرواية خاضوا في إشكالية المؤلف والسارد والشخصية، في النص الروائي، فأنهم هنا أمام نص مغاير. حقا إن كثيراً من الروايات صدرت وقد تصدرتها خطبة مؤلف، إلا أننا، في حدود ما أعرف، أمام نص روائي جديد تكثر فيه الهوامش لدرجة يشعر فيها القارىء أن النص دراسة أو بحث أكاديمي، وان كانت الإحالات، في أكثرها، تعود إلى حبيبي نفسه. وسأركز في دراستي، هنا، على الفصل الأول من النص، على أن أضرب أمثلة أخرى من الفصول اللاحقة.
الاتجاه الأول  قراءة النص وقراءة المؤلف كما نعرفه مما يكتب ويقول خارج إطار الخرافية.
1-    كرر إميل حبيبي في غير مكان أنه اكتشف خطأ ما أقدم عليه في ماضيه حين اهتم بالسياسة إلى جانب الأدب الذي هو هوايته، وانه لا يستطيع حمل بطيختين في يد واحدة. يكتب إميل:
     "وأما تجربتي الذاتية، وهي تجربة متواضعة ومحدودة جدا، فقد علمتني أن احترم تجربة الأجداد، فلا أحاول أن احمل بطيختين بيد واحدة: بطيخة الالتزام السياسي وبطيخة العمل الإبداعي الصادق صدق العلوم الدقيقة".([35])
ويتكرر هذا في خطبة المؤلف لـ "خرافية سرايا بنت الغول" إذ يرد ما يلي:"لست عالما ولا ناقدا. ولكنني وجدت نفسي، منذ أدركت أنه من المستحيل "حمل بطيختين في يد واحدة" قادرا.. على تعويض ما فاتني من مكتسبات "فلسفة العلم" فيما كنت غارقاً في أوهام "علم الفلسفة" ([36]).
وهو ما يتكرر في المتن الروائي على لسان البطل كما ينقله الراوي:
"وما أنا بمازح، حين أقول لهم إن مهنتي هي صيد السمك وأما الأدب فهو هوايتي المحببة".
وأما السياسة ؟
      قد قيـل: "لا يستطيع المرء أن يحمل بطيختين في يد واحدة "فكيف بهذه البطيخة الثالثة؟". ([37])
2-      يكتب د. حسني محمود في كتابه، إميل حبيبي والقصة القصيرة، عن حياة إميل، ما يلي:
      "ولد إميل 1921 في مدينة حيفا زنبقة الكرمل وعروس الساحل الفلسطيني. وهو ينتمي إلى أسرة ريفية من قرية "شفا عمرو" قرب حيفا...." ([38])
ويرد في سرايا ما يلي:
"ولد على شاطىء بحر حيفا.. " ([39])
      و " ولد في وسط واد ينبع من الجبل ويصب في البحر، توا بعد انتقال والديه وإخوته من القرية البرية إلى المدينة البحرية.. " ([40])
     ويشير في الهامش إلى أن الواد هو وادي النسناس وان القرية هي شفا عمرو وأن المدينة هي حيفا.
3-      يعرف الجميع أن إميل حبيبي كاتب روائي، وقد صدرت له العديد من الروايات. والبطل الروائي، كما ينقل الراوي كلامه، هو كاتب أدب. ويرد النص التالي في الرواية:
     " قال: تعودت على اليأس يستولي علي حين أجد ما بين يدي من عمل أدبي عاقرا أو أبلغ به نهاية سرداب... " ([41])
وسأعود إلى هذه النقطة حين أتحدث عن قراءة النص دون الاستعانة بما هو خارجه.
4-      ثقافة إميل حبيبي الموسوعية وقراءته للكتب التاريخية والأدبية العالمية . فهو يقول:
  "إن لنا تراثا ثريا، وأنا أعتز بهذا التراث. وأنا إلى حد ما مقلد، أعتبر نفسي تلميذاً للجاحظ والمعري ولمختلفة الكشاكيل في الأدب العربي الكلاسيكي .." ([42])
      ويلاحظ أن البطل يسرد من كتب إحسان النمر ومن مؤلف بهاء الدين بن شداد "سيرة صلاح الدين الأيوبي" ومن أشعار امرئ القيس والمتنبي.
ويقول أيضاً:
"أنا مطلع على الأدب الغربي الكلاسيكي، خصوصا أدب النهضة، و "الهزل" من بوكاشيو حتى مارك توين، ولقد تأثرت في كتاباتي بالعديد من الأدباء الأوروبيين أمثال غوركي وشولوخوف وفولتير وجاك لندن..."([43])
ويرد في الخرافية: "ويكون، أمام هذه الظواهر المائية الطبيعية، مبهور النفس والبصر، مؤهلا لاستقبال مختلف الخواطر غير الطبيعية: عن شبح كانترفيل ونواح مرتفعات وذرنغ.."([44])
ويتحدث عن رواية (آرنست همنجواي) حديثاً فيه إفاضة. ([45])
5-      ذهبت في دراستي عن صورة اليهود في رواية إميل حبيبي "المتشائل" إلى أن سعيداً هو حبيبي نفسه، واعتمدت على أن ملامح سعيد، كما ترد في النص، هي ملامح إميل نفسه. وأشرت إلى أن هناك مفتاحين لدراسة شخصية سعيد هما: التغابي والشيوعية. ([46]) ويرد في الخرافية على لسان البطل، كما يسرد الراوي سردا تاما دون تدخل:
"فكانوا يوقعونني في مطبات كنت أخرج منها متساذجا ومبررا خيبتي بسذاجتي.."([47])
و "وكان استطاب تظاهرة بالسذاجة فأمعن فيها وأمعنوا"([48])
     ولا يختلف موقف البطل، هنا، من اليهود، عن موقف سعيد منهم في المتشائل، كما لا يختلف عن موقف إميل حبيبي نفسه. ([49])
6-      يرد في مواطن من النص إشارات إلى نصوص إميل حبيبي القصصية والروائية، ويبدو أنا المتكلم كاتبها. ومن ذلك ما يرد في ص 78: "وكتبتُ قصة" النورية " لأهرب من هذا الطلسم. فإذا هو ماثل أمام مخيلتي بطلاً من أبطال تلك القصة". وقصة النورية قصة كتبها إميل حبيبي وقد نشرها في مجلة "الجديد" الحيفاوية في آذار 1963، وأعاد نشرها ضمن قصص "سداسية الأيام الستة".
ومن ذلك أيضا ما يرد في ص 102 : "وجاء نعيها بعد أربعة أشهر من ظهور قصتي الأولى في هذه الدولة: "بوابة مندلباوم" ويذكر في الهامش أنه نشرها أيضا في "الجديد" في آذار 1954. وقد ظهرت أيضا ضمن قصص السداسية.
ويتكرر الشيء نفسه في ص 114: "ويعود هذا التقويم إلى أنني شرعْتُ في كتابة "المتشائل" في العام الأول من هذين العامين (أي 72 و 1974). وأنهيته في العام الثاني من هذين العامين - أي في العام 1974 - وأوردت فيه وصفا أمينا لما فعلوه ويفعلونه تحت أثواب المسافرين العرب عبر مطار بن غوريون في مطار بن غوريون. وقد أصدر حبيبي نصه "المتشائل" عام 1974.
7-   وسأكتفي، في هذا المجال، بالإشارة إلى ما أورده إميل حبيبي في الصفحة السابعة من افتتاحية العدد السادس من مجلة "مشارف" (كانون الثاني 1996). يخصص إميل مقالته للحوار مع صديق صباه الدكتور إحسان عباس ويقول: "فقد وجدتني أذكره في جميع أعمالي الأدبية تقريبا. وأتمنى التقاءه قبل الرحيل عن هذه الدنيا..". ويأتي على أعماله التي ذكر فيها شيئا عن إحسان، ومن أعماله هذه "خرافية سرايا بنت الغول"  التي يقتبس منها العديد من الفقرات التي توضح أن أنا المتكلم وعبد الله وضمير المخاطب في الخرافية ليسوا سوى إميل نفسه ([50]):
" كان عليك السفر، يا عبد الله، حتى موسكو كي تلتقي أبا خالد وحتى واشنطن حتى تلتقي أبا سلمى ... وآخرها في هذا العام (1990) حين أكرمكم أبو عمار بوسام فلسطين..."
الاتجاه الثاني: قراءة النص اعتماداً على طبعة الخرافية فقط وإهمال أي تصور أو معرفة عن المؤلف أو عن الدراسات التي كتبت عنه.
ويضعنا أمام ثلاثة أصوات:
أ -      صوت المؤلف متمثلا في المقدمة - " خطبة المؤلف" كما أسماها - وتداخل ما ورد فيها مع ما ورد في المتن، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى صوته كما ورد في الهوامش التي كتبها ونسبها إلى المؤلف الذي هو إميل حبيبي، كما يبدو على الغلاف. وكان المؤلف، في الهوامش، يوضح ما غمض في النص أو ما لم يبد واضحاً وضوحاً تاماً.
ب-     صوت الراوي الذي يروي ما يقوله البطل أحيانا، ويتحدث عن علاقته به من ناحية ثانية حيث يتحول الراوي إلى شخصية روائية.
جـ - البطل أو الشخصية المحورية التي تتحدث بضمير المتكلم، ونصغي إليها من خلال نقل الراوي لما تقوله.
وتعتمد ملاحظة الاتصال والانفصال بين المؤلف والراوي والشخصية المحورية على أمرين:
الاول: اللغة.
والثاني: قراءة خطبة المؤلف وهوامشه ومقارنتها بأقوال الراوي من ناحية، وأقوال البطل من ناحية ثانية، وذلك لملاحظة اقترابها من بعضها البعض، أو ابتعادها عن بعضها البعض، ومن ثم ملاحظة إن كان المؤلف هو الراوي وهو الشخصية المحورية في الوقت نفسه. ولا يشذ عن لغة المؤلف إلا لغة المؤلفين المقتبس نصوص من كتبهم .
اللغة:
ونذهب، هنا ، إلى حد بعيد، مع ما ذهب إليه صبحي شحروري الذي كتب إن اللغة في الرواية هي "اللغة الواحدة المجردة، لغة المؤلف" ([51])، ولا تختلف لغة المقدمة ولغة الهوامش مع لغة الراوي ولغة الشخصية الرئيسة.
ولا تنسجم هذه اللغة، إلا قليلا، مع لغة الخرافية. وأعني بقليل، ورود بعض الأمثال الشعبية.
قراءة الكتاب:
1-      يلاحظ، ابتداء، أن بعض ما يكتبه إميل في المقدمة يتطابق وما يرد على لسان الشخصية المحورية في النص. ويعزز هذا من أن المؤلف والبطل هما شخص واحد، وقد أشرت إلى هذا في أثناء الكتابة عن قراءة النص وقراءة المؤلف معاً.
2-      يكتب إميل في المقدمة:
         "فإنني كعادتي في رواياتي السابقة، لا أخطط لتداعيات الرواية قبل الشروع في كتابتها، بل أرخي العنان للاسترسال الباطني حتى التسيب أحياناً..." . ([52])
ويرد في الرواية، كما يسرده الراوي على لسان البطل:
         "قال: تعودت على اليأس يستولي على حين أجد ما بين يدي من عمل أدبي عاقراً أو أبلغ  به نهاية سرداب فإذا نهايته منغلقة بحجر صواني ضخم عصي على الاختراق. فأعلم أن لا مناص من أن أعود أدراجي وأحفر نفقاً آخر في موقع آخر. فأكسل عن هذا الجهد المضني والمكرر، المرة تلو المرة.. " . ([53])
         ويضيف: "الا حين لا يبقى لي من منجاة إلا الاستمرار في الحفر. فيكون حالي أشبه بحال جماعة من الأسرى لا أمل لهم في الحياة ما داموا في الأسر قابعين. حفروا نفقا تحت الأرض وخططوا أن تأتي نهايته خارج أسوار المعتقل. فلما بلغوا فيه مسافة بعيدة، بحسب ما خططوا، اصطدمت معاولهم بصخر عظيم لا قبل لها على اختراقه" . ([54])
3-      يرد في هامش 16 ص 18 ما يلي :
         "بدأنا في كتابة هذا الفصل في نهاية العام 1983، الا اننا اعدنا صياغته عدة مرات ولم نجزه للنشر الا في 22/9/1990. المؤلف .
ويسرد الراوي ما يلي:
"وأقسم لي الايمان المغلظة أنه أخفى ما دونه، في نهاية العام 1983 حتى يومنا هذا."([55]) وصدرت الرواية عام 1991.

إشكالية الراوي:
يبدو الراوي في النص، كما يوحي الحوار بينه وبين البطل، شخصا  آخر غيره. وهو راو محيط بكل شيء فيما يتعلق بعالم بطله، وليس هناك ما يشير إلى أنه غيره على أية حال.
وفي الفصل الأول هناك ثلاثة مواطن، على الأقل ، نصغي فيها إلى الراوي والبطل يتبادلان كلاما سريعا، يوحي للوهلة الأولى أنهما شخصان مختلفان:
الأول:      "كان في زمانه خطيبا كليما. فقلت له : فلماذا لم تلق على مسامع الطير خطابا؟ قال: كنت جمعتها حولي . ([56])
الثاني:        "وقال : كان الحادث مفتاحا أشبه بمفتاح الحياة المصري القديم. قلت : كان اسمه
             مفتاح النيل. فلنسم مفتاحك بمفتاح وادي القرن".([57])
الثالث:     "وأحدنا تعود على إلقاء السلام على جمجمة أعادها إلى مكانها في قبر مكشوف الجانب. ثم جاء في احد الأيام - قال - فلم يجدها في مكانها ولا في أي مكان آخر. قال: " وكأننا لم نكن" قلت: "ونحن؟" قال: وهل سيدفنونا" ؟ ([58])
 
ويمكن الوقوف عند المقطع الخامس من الفصل الثاني لملاحظة الاختلاف في السرد، هذا الذي يتم تارة من خلال استخدام صيغة الشخص الثالث، وطوراً من خلال صيغة الشخص الأول. نقف في ص 85 أمام الصيغتين:" ولم أتنبه الى وجوده...."
و " صعد في شارع الجبل حتى واجهته فتحة دَرْب ترابي ضيق...".
ويبدو الراوي شخصا آخر غير الشخصية. ويبرز هذا واضحا في ص 86، وبخاصة حين نقرأ: "ويحكي ويحكي ويسترسل في "الخرافية" لعله يهتدي إلى تلك اللحظة الأولى التي علقت فيها عيناه بعيني سرايا. فلا يهتدي".
ويبدو أيضاً جلياً في ص 87، وتحديدا في قول الراوي:
"هكذا قال لي حين خرّفني بهذه "الخرافية". وكانت سرايا -قال- أول من عرّفني على "تفاح الجن" أنه صالح لمعدة البشر...".
ويبدو الراوي ملماً بكل شيء عن شخصيته التي يقصُّ عنها تارة ويتركها تقصّ عن ذاتها طوراً. ويظل الراوي نكرة دون اسم أو ملامح خاصة تميزه عن ملامح الشخصية، ولا يحدد كلامه، على أية حال، ما يشير إلى أنه شخصية أخرى غير البطل. وهكذا يجد المرء نفسه أمام مؤلف وراو وبطل هم في الوقت نفسه شخص واحد .
 
23/3/1996
18/9/1996

المراجع
 
1-               الأسطة، عادل: صورة اليهودي في رواية إميل حبيبي "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل، مشارف، العدد السابع، آذار 1996.
2-               حبيبي، إميل: أنا مانعة الصواعق، حوار أجراه معه أحمد رفيق عوض ومنذر عامر وليانة بدر وزكريا محمد، مشارف، العدد التاسع، حزيران، 1996.
3-               حبيبي، إميل : عن الابداع وعن خضراء الدمن، مشارف، العدد الثالث، تشرين الول 1995.
4-               حبيبي، إميل: أشبه بشرح الماء شَرْبة ماء، مشارف، العدد السادس، كانون الثاني، 1996.
5-               حرب، أحمد: سرايا والعصا وسيكولوجية الابداع الفني في رواية إميل حبيبي "سرايا بنت الغول"، جريدة "القدس"، الأحد 21/7/1991.
6-               الدراجي، أمير : خرافة من لحم ودم، مجلة "الناقد" اللندنية، العدد الرابع والخمسون، كانون الأول، 1992.
7-               رفاعية، ياسين : "سرايا بنت الغول" سيرة ذاتية للمؤلف، جريدة الشرق الاوسط اللندنية، 27/3/1992.
8-               سرحان، نمر : موسوعة الفلكلور الفلسطيني، عمان 1989.
9-               شحروري، صبحي : أزمة الرواية في خرافية سرايا بنت الغول، مجلة شمس، باقة الغربية، العدد الثالث، آذار، 1993.
10-             أبو شمسية، عيسى، ومحمود العطشان : أزمة الشكل الفني في خرافية سرايا بنت الغول: بين تداعيات الواقع ورمزية الرؤية، مجلة "كنعان"، حزيران 1991.
11-             عباس، إحسان: دموع الفرح دموع المراثي، مشارف، العدد الثامن، نيسان 1996.
12-             غنايم، محمود : المدار الصعب : رحلة القصة الفلسطينية في اسرائيل، حيفا منشورات الكرمل، 1995.
13-             فضل، صلاح: أساليب السرد في الرواية العربية، الكويت، 1992.
14-    محمود، حسني : إميل حبيبي والقصة القصيرة، عمان، 1984.
15-      نور الدين ، صدوق : "سرايا بنت الغول" أحدث رواية من تأليف إميل حبيبي، مجلة العربي الصادرة في الكويت، العدد 410، كانون الثاني، 1993.

 

عدد القراءات : 1006
2011-04-25
إلى الأعلى إرسال لصديق PDF طباعة إضافة تعليق
 
 
© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة القدس للثقافة والتراث