الحساينة: لجنة حصر الأضرار تباشر عملها الأحد المقبل    الرفاعي: لملمة الجراح وإعادة الإعمار والإعداد العسكري هي من أولوياتنا     أبو مرزوق: التهدئة لشهر لاستكمال المحادثات    سرايا القدس' و'الكف الاخير'.. صاروخ يحمل براسه رسائل !     ديسكين:اتفاق وقف النار أدخل الإحباط في قلوب "الإسرائيليين"    على أعين الزوارق الصهيونية.. صيادو غزة يبحرون فاتحين حدود الـ 6 اميال     مستوطنون يقطعون أشجارًا ببيت أمر     إعدام العملاء.. رادع صارم وضربة لاستخبارات الاحتلال    حصيلة أولية بعد انتهاء العدوان: 2137 شهيداً و11100جريحًا    الاتحاد الأوروبي يرحب باتفاق وقف إطلاق النار بغزة
اليوم : 2014/09/01
القدس في 1/9
  متابعات ثقافية
نشاطات المؤسسة
ندوات وأمسيات
مهرجانات ومؤتمرات
معارض فنية
إصدارات
آداب وفنون
الشعر
القصة والرواية
المسرح والسينما
الفنون التشكيلية
أدب النكبة
أدب الأسرى
المقالة
قضايا وآراء
من وحي القرآن
أعلام وعلماء
أحسن القَصَص
واحة الإبداع الشبابي
المزيد
أدب الأطفال
قصائد للأطفال
قصص للأطفال
أطفال مبدعون
 
هل تعتقد ان اتفاق وقف اطلاق النار الأخير لصالح المقاومة و الشعب الفلسطيني






نتائج التصويت تصويتات سابقة
الشعر ، واحة الأدب والفن 
القدس والمقدسات في شعر جاك صبري شماس
محمود محمد أسد

لم أكتب عن الشاعر جاك صبري شماس لأني أعرفه شخصيا، ولأنني ملتق معه غير مرة وبيننا رسائل ودردشات ومناوشات، ولم أكتب عنه كشاعر مغزار كثير النتاج، حضوره في الدوريات العربية المتعددة والمتنوعة يشهد له بانتشاره وحفر اسمه ... فهو شاعر له أكثر من عشر مجموعات شعرية وجلها في مكتبتي ومهداة لي وهذا ما أعتز به، ولكنني اندفعت للكتابة عنه مصادفة. وذلك أثناء بحثي المتواصل والملح عن الشعر العربي الذي قيل في مدينة القدس المباركة منذ القديم إلى الراهن المعاش، فوجدت ما يُلْفت النظر ويدعو للإكبار والتقدير لهذا الشاعر الذي يكاد ينفرد بكثرة القصائد ووفرة ذكر القدس وما يحيط بها عن غيره من الشعراء، كنزار قباني وعمر أبو ريشة وسليمان العيسى وغيرهم، ولست بصدد التمييز الفني في هذا المجال.
بدأت دواوينه بـ / جراح الخابور / 1980 ثم تتالت حتى وصلت إلى ثلاثة عشر ديوانا عام 2006 وآخرها / الحب النبيل / وبينهما دواوين حمل بعضها ما يوحي بفلسطين / عروس المدائن – الشهيد محمد الدرة – شيخ المجاهدين / وسوف أشير إلى بقية الدواوين في دراستي، وهذه الدواوين حوت قصائد تحمل الحب والالتزام والتمسك بالحق القومي الفلسطيني فهناك قصائد / مجزرة الحرم الإبراهيمي - سيعود مجد الفاتحين – أنا والعروبة / في ديوان هواجس في أعماق شاعر / 1994 / وقصائد / القدس عروسة المدائن – المسجد الأقصى / في ديوان عروس المدائن / 1996 / وديوان قصائد حب / 1997 / حوى القصائد ومنها / أبعدك من يؤذن يا بلال؟ واقدساه !! / .
وفي ديوان / وردة على ضريح الخابور 1999 / فيه / الشيخ أحمد ياسين – الجهاد المقدس / وديوان الشهيد محمد الدرة / 2001 / فيه / الشهيد محمد الدرة – مدينة الصلاة – المجد للشهداء / وديوان فارس الكلمة / 2002 / فيه /القدس للعرب – واعرباه / وديوان مواقف / 2003 / الثائر / مروان البرغوثي – مذبحة غزة – أنا عربي فلسطيني – مجد الفاتحين / وديوان / شيخ المجاهدين 2005 / حوى / شيخ المجاهدين – المجد للشهداء – عروس المدائن / وديوانه الأخير / الحب النبيل 2006 / حوى / الأقصى – الشهيد /.
سردت العناوين والقصائد وهناك غيرها، لأستهل أمر البحث والمتابعة، فإننا أمام شاعر ينتمي إلى العروبة روحاً ودماً وحرفاً يرى في الإسلام كل الخير ويعتز برسالته وقد أكثر من ذلك وهو المسيحي، وتعرف ذلك الدوريات العربية كالمجلة العربية والفيصل والخفجي والوعي الإسلامي وغيرها. فالشاعر فوق التصنيفات الضيقة فنراهُ متسامحاً وغيوراً، يؤلمه ما يجري في الوطن العربي وتحديداً فلسطين والعراق، ويهتز لكل مناسبة تبعث فيه القريحة، فهو شاعر مأسور للموضوع بالدرجة الأولى ولا يقدمه إلا فصيحاً واضحاً بعيداً عن التكلف، يحرص على الأوزان الخليلية والجملة الرصينة والصورة الواضحة، وأغلب القصائد جاءت عمودية خليلية باستثناء بعض القصائد. تميل قصائده إلى الخطابة في هذه القصائد وحينا يلجأ إلى الهمس والإيحاء، وقد قدم أوراق اعتماده في قصيدته / أوراق اعتمادي / من ديوان هواجس في أعماق شاعر ص7.
إني مسيحيّ أجلُّ محمــدا             وأجــل ضادا مهده الإسلام
وأجلّ أصحاب الرسول وأهله        حيــث الصحــابة صفوة ومقام
كحّلتُ شعري بالعروبة والهوى      ولأجل (( طه )) تفخر الأقلام
ويكاد يقلقني تمزق أمتي              فالقدس تلظى والورى نيّام
والجامع الأقصى يُطوَّق بالقنا         والنفس تغلي والقلوب ضرام
       
هذه رسالته وهذا نبضه الذي يلامس الوجدان، ويدغدغ المشاعر ويشتد أوار حزنه وغضبه، لما جرى في الحرم الإبراهيمي تلك المجزرة التي جرت في الخامس والعشرين من شباط 1994 وقبل استكمال صلاة الفجر في الخليل، أقدم الإرهابي باروخ غولد شتاين ومجموعة معه بإطلاق وفتح النيران على المصلين وهم سجود ص15 /هواجس في أعماق شاعر/.

دم بريء وأشلاء مبعثرة               والجامع الطهر مفجوع وثكلان
إني لأعجب من قوم بلا سمع          كأنما القوم في الساحات طرشان
قد قلت بعضا من الإحساس أملكه     والبعـض يخنقه في الصدر خذلان
يا ربّ عفوك ما أخفيه من حُـرَق      جرى ويجـهش في الإنسان إنسان

لا يستطيع الشاعر أن يقدم على الحب، أو يشغل فؤاده في الحب وهناك واقع مأساوي يخز الضمير، ويجلد الوجدان، ص 45 :

دم بريء وأشلاء مبعثرة                والجامع الطهر مفجوع وثكلان
إني لأعجب من قوم بلا سمع           كأنما القوم في الساحات طرشان
قد قلت بعضا من الإحساس أملكه      والبعـض يخنقه في الصدر خذلان
يا ربّ عفوك ما أخفيه من حُـرَق      جرى ويجـهش في الإنسان إنسان
قالت حبيبي لقد أهملت موعدنا         وقد تناسيت من داوت لك الأرقا
فقلت : يا هند بات القلب في جسدي    أنّــــى نظرت أرى الأحزان والقلقا
فكيف أعشق أو أرتاح يا كبدي         والعرب قد مُزِّقتْ في عصرنا مزقا
لا تسأليني بعيد اليوم أسئلة             يا هند، أشعر أن الصدر قد خنقا
       
هذه المواقف تبرر لنا ما يحمله الشاعر من حب لفلسطين، وما سوف يقوله في القدس، فهو مؤمن بالتاريخ وحركته، ومتفائل بالغد القادم والمستقبل، ولذلك نراه متفائلا بقصيدته / سيعود مجد الفاتحين / ص56.

كيف المنام وأمتي كسفينة                في اليمِّ قد عصفت بها الأنواء
والمسجد الأقصى تحاصره اللظى       لا الخيل تصهل، لا السيوف مضاء
نامت على سرر الهوان كرامتي        والثائران : الدمع والأهـواء
لولا الطفولة في الجليل .. وفتية        وحجارة يَرمي بها .. اللؤماء
لولا الهداية من تليد شموخنا             لانهار من رحم التراب بناء
لكنه الأمل الموَضَأ بالتقى               حيث العروبة بالتراث تضاء
لا بد أن يئد المآسي فيصـل              مهـما تمادى البغي والسفهاء            

استعان الشاعر للتعبير بلغة جزلة قوية تحمل دفء روح الشعر ومشاعره الفياضة، فتنجلي الآلام أمام إشراقة الأمل والتفاؤل وهذه إحدى سمات التعبير عند الشاعر الذي لا يغلق باب الرجاء والأمل بالله والأجيال وفي ديوانه /عروس المدائن/ يزيح الستائر ويُعرِّي الواقع لتجاوز المحنة العصيبة التي انتابته في / تداعيات شاعر مهزوم / ص13، تنتابه الحيرة وتلحّ عليه الأسئلة :

أإرهاب إذا ما صنت عرضي           وشرع حين يختلُّ القضاء
أظُلمٌ إن همــى ودي لنخلي ؟          وعدل حين يستشري الدهاء؟          
فقدس الله في شرم أهينت              وعرَّش في لسانكم الرياء

حال الشاعر ينتابه القلق ولكنه لا يستسلم إليه، ويستطيع تجاوزه وإلا استسلم لليأس والإحباط وهجر الشعر فاستمراره دليل عافية في قصيدة / البكاء على معابر خرافية / يقول في مطلعها ص 25:

فككت الشعر من أسر القيود          وخضبت الملاحم بالورود
فإن صادرتـم الأوراق مني            فمن منكم يصادر لي وريدي
فقدس الله طوَّقها ذئابٌ                 وعاث اللؤم في البلد التليد
وحاصر جامع الأقصى طغاة          وسالت في الصلاة دما الشهيد
أتبهجنا القصيدة في كلام              وما جدوى القصيدة للفقيد ؟ 

وفي قصيدته / القدس عروس المدائن / تعلو نبرة صوته، وتسمو المضامين تجاه مدينة قدس الأقداس، نرى الشاعر يعتصر ألما، ويتمزق حسرة ص33 :
 
يا أمةَ الإسلام ما جدوى امرئ      خلع الوقار مُعفّرا بتراب
فالقدس تزحف في رباها أرقم       والشعب يلظى من سياط عذاب
والجامع الأقصى سجين عصابة     عصفت بكلّ مبادئ وعقاب
يا قدس ماذا تستعيد بلاغتي          والأهل طعم صوارم وحراب

ترتقي لغة الشاعر إلى مستوى الحدث والخطاب، فيعي ما يجري ويعي وجهة خطابه

عذرا رسول الله أسرجنا الفدى      في كل أمسية وكل خطاب
ما أهزل الأشعار في فم شاعر       إنْ لم تُقَوَّض بنية الإرهاب

ويلح الشاعر على وصف واقع القدس ومقدساتها، فتتناثر كلماته شظايا، وتلتف معانيه حول عنق المأساة معرية ونادبة هذه الفجيعة يبدو ذلك في قصيدة المسجد الأقصى / ص49/ فيتألم لواقع المسجد الأقصى ولا يجد سوى مناجاة الناصر صلاح الدين، هذه الشخصية العربية التي استدعاها الشعر المعاصر للتعبير عن الغم وتجاوز المحنة :
 
فالجامع الأقصى أسير عصابة      يروي ظماها الفتك والإجـرام
يا نائما والحلم بين جفونه           سيّان تصحو فالندى أوهـام
نَمْ يا صلاح الدين حتى لا ترى      فالذئب يسرح والقطيع سـوام
لا بد من نذر الدماء لجامع          حتى ترفرف في الدنى الأعلام

في ديوان / قصائد حب / لا يستطيع الشاعر جاك صبري شماس كتْمَ حبه للقدس، هذا الحب الذي تحيط به المأساة، وتحرقه النيران ولكنه يريد أن يطفئه بنار قصائده المتوهجة لغة وبيانا ومضامين، في قصيدة /جبل أبو غنيم/ ص65 :

فالجامع الأقصى أسير عصابة     يروي ظماها الفتك والإجـرام
يا نائما والحلم بين جفونه          سيّان تصحو فالندى أوهـام
نَمْ يا صلاح الدين حتى لا ترى     فالذئب يسرح والقطيع سـوام
لا بد من نذر الدماء لجامع         حتى ترفرف في الدنى الأعلام
أنا يا رسول الله جئتك شاكيا       أشدو لمجـــدك باليراع وأطـــرب
ذبلت غصون الضاد ثم تيّبست     ما جاء بعدك من يذود ويغلب
فالجامع الأقصى أسير أَسِنَّة       ما جاء بعدك من يذود ويغلب
والمسلمون قبائل ومجازر         شابت لها عتم وشاب الغيهب
أنا ما هجرتك يا نخيل، وإنما       قلبي يئن من الشتات ويغضب

ويأخذنا الشاعر إلى مؤذن الرسول بلال الذي أراح الرسول بصوته، ويستحضره بعد أن حرم الأذان في المسجد فيتساءل الشاعر سؤال المستنكر بقصيدته / أبعدك من يؤذن يا بلال !!؟ / تنتاب الشاعر الدموع والحسرة وهو يرى حزن المسجد ص71  :

فقدس الله يغزوها أثيم           يُهوِّدها، لكي يفنى البقاء
أبعدك من يؤذن يا بلال          وحاخام يحاصر والفناء ؟
أغار عليك يا وطني وإني       على طهر الثرى حاء وباء
فعذرا يا رسول الله، إني        أعرّي ما يخبّئهُ ... الـحفاء
فعذرا يا رسول الله إنا          وجوه جف في دمها الحيـاء
ولولا مزنة الشهداء تهمي       لزمجرت البسيطة والفضاء
 
       

يبقى الشاعر متسلحا بالإيمان والأمل، فهذا الصوت الذي يعرّي، فإنه يعرّي بدافع الحب وبقصد التحريض فيلامس وجدان العربي بما يعتقد، ويقدس، وله في قصيدة / واقدساه / صرخة تفجع وندبة، تمور نفسه وتسخط، وهو يقدم الجامع الأقصى بمكانته الدينية والإشعاعية، فهو قبلة الروح ص 85 :

شموخك يا حبيبة ذو جلال      وطهرك ليس يُحصَر في مقال
فلسطينية شمخت وقارا         بأقسى موطن وأعزّ آل
وذاك الجامع الأقصى منار      ومعراج النبي إلى المعالي
أسائل أحرفي عن نخل داري   فترتعش الأنامل في سؤالي
       
تَمكُّن الشاعر من اللغة والموسيقى منح القصائد إيقاعا جميلا يتناسب مع نبض القصيدة وما توحيه من معان يحرص الشاعر عليها ويرددها دائما وبصور متقاربة، ولا تغيب شمس فلسطين والقدس عن ديوانه / وردة على ضريح الخابور / فالخابور نهر يمر من الحسكة مدينة الشاعر، ومنها يقدم قصيدته / الشيخ المجاهد أحمد ياسين / معتزا بوقفته وبتجسيد الجهاد النبيل وقد نال شرف الشهادة ص 45 :

يزهو يراعي، يعبق التدوين     ويخطّ سفر شموخنا ياسين
تحني القوافي هامةً بمحبةٍ       وتمور جذلى والوداد حنين

كيف لا يعتز الشاعر بالبطولات والمواقف الجهادية التي يقدم عليها أبناء فلسطين ؟ وكيف لا تنطلق قريحة الشاعر أمام عظمة القضية وأهميتها، في قصيدته / الجهاد المقدس / يتنامى تفاؤله، وتتطاول قامة قصائده معتزة بالقدس ص 55 :


فيا قدسا تطاوله المآسي       وتثخن جرحه، تطوي المهادا
وتنسف في ضغينتها بيوتا     وتجتثُّ الخميلة والفؤادا
ثم يقول متوجها بحديثه إلى إسرائيل :
ومهما مارسَتْ فتكا وبطشا    فسعف النخلِ لن يهوى الرقادا
سينفض عن مواقده رمادا     ويلوي عنق مــن أطغى، وعادى
وقدس الله ترفل في برود     وتهزج للورى النصر المشادا
يكبّر في ذرى الأقصى بلال   ويبني في فلسطين العمادا
ويتلو مؤمن سفرا تجلّى       بقدس الله مزهّوا .. معادا
       
أنفاس الشاعر تعبق بالرؤية الإيجابية، والرؤيا المشرقة وهذا دأب رجال الكلمة والمواقف، فلا يضعفون ولا يستكينون أمام بعض المنغصّات كبيرها أو صغيرها، فالهدف أقوى وأشد وقعا، فالشاعر يقف كاشفا وحشية الصهاينة وألبسها أبشع الصفات وأقبح الممارسات اللاإنسانية :         ( الحرباء ) ويقصد به نتنياهو كما ورد في الهامش ص 59 :

فالجامع الأقصى يطوّق بالقنا     ومطوّق نخل الهوى بخناجر
عاودت سيفك يا صلاح مؤمّلا    فتحا جديدا كالتليد الغابر
غول يعربد في المدائن والقرى   ويهوّد الأقصى ومهد الناصري
يقتات من لحم العروبة هازئا     من كل تنديد وشجب خائر
كيف الملامة للذئاب إذا رأت     راعي الخراف بلا عصا وعساكر

الشاعر جاك صبري شماس يقتفي آثار المجيدين من الشعراء، فيحرص على القديم شكلا ومضمونا ويكثر من استخدام / النخل / كرمز للشموخ العربي وامتداده التاريخي في بيئة عربية لها جذورها الممتدة في الأرض والسماء:

فالتوأم النخل الدماء كلاهما     سفر البطولة في خلود مآثـر
ما دام كفّ الطفل يمطر بالفدا   فالقدس لن تحني الرقاب لناحر

معجمه غني بالدلالات ( الفدى – ناحر – سفر – النخل – الدماء ) وتتشابه المواقف في أغلب القصائد، التقريع للمتخاذلين، والتنديد بالجرائم، والاعتزاز بالثوار والثوابت، والتفاؤل الذي يدعمه الإيمان وتوثّقه الدماء، وإحياء لموروث الشعر العربي الأصيل، واستحضار للمقدسات على مختلف الديانات، واستعادة لدور صلاح الدين وبلال، في ديوانه / الشهيد محمد الدرة / 2001 ترد هذه المواقف وسوف أذكرها سريعا : ص 13

والجرح ينزف في المدائن والقرى  والقدس تلظى والدماء تسيل
قم يا صلاح الدين يلجمني الشذى    صهيون تفتك بالتقى وتصول
يا جامع الأقصى ومحراب الهدى    نخل العروبة في مناك كفيل
سيعود للأقصى شعاع ملائك        ويظلّ يورق في الجهاد نخيــــل
       



يضاف إلى ذلك في قصيدة / ترنيمة الحجر / عبارات إسلامية أخرى / الضاد والزيتون والتمر واليرموك /الخنساء/ ص 29 :

خنساء إني أرى الأيام حالكة     وحاضرا شُوِّهت في وجهه الصور
لا تسأليني عن اليرموك أسئلة    أو تسأليني بما شادوا وما ابتدروا
كنا إذا أقسمتْ كفٌّ على شنب     فالخيل تصهل والأجواء تنفطـر
من الشدائد ينمـو العزم مقتدرا    ويولد البأس والإصرار والحذر
وترفل القدس بالإكبار بردتها      وتصدح الضاد والزيتون والتمر

وفي ديوان / الشهيد محمد الدرة / يكرر قصيدة / مدينة الصلاة / وقد نشرها في ديوان / عروس المدائن / بعنوان /القدس عروس المدائن / ربما لحرارة الموقف وضرورة التذكير، ويعلي الشاعر رسالة الشهداء، فيشيد بحسن فعالهم، فيمجد دمهم ويعتبره الطريق الأسمى والأسهل للتحرير وعودة القدس وفلسطين ص 61 :


وتوضّأ الجرح المقاوم بالدما     وكسا الطبيعة بالدماء نمـاء
وعلا الأذان مكبّرا بمساجد        يندى بها التنزيل والنعماء
وهفا الفخار يرشّ ذوب نضاره   وتعانقت حلل وعم ثراء
يا جامع الأقصى منار قوافل      يذكي مناها الطهر والآلاء
فالقدس لن تحني زمام لوائها     مهما تمادى البغي والسفهاء
فالمجد يصنعه أباة في الحمى     ويصون قدس إبائنا الشهداء
       
ما الذي يمكن أن نقوله عن هاجس الشاعر وقلقه تجاه أمته، وهو هاجس لا يقترب من المرض والعلل السقيمة، بل يخرج من الأسى والألم ليعيد صياغة الأمل والبعث المشرق بالنور، وهذا لم يكن يحدث في شعره وروحه دون إيمان عميق ووعي حصيف لأبعاد القضية، ومسار التاريخ، ديوان فارس الكلمة / القدس للعرب / ص29:

فهل طويت بقايا الأمس طيّا        وعشّش في منازلنا الغريب
تمَّهل يا قذى صهيون إنا           وإن طال الزمان غدا نؤوب
فما زال صلاح الدين يحيا          بأفئدة مجاهدة، يطيب
فقدس الضاد في الشريان تسري   وتورق فوق جبهتها الطيوب
       
يقدم الشاعر الصورة المؤلمة عن القدس وواقعها الجريح القاسي ولكن سرعان ما ينتفض صوته ثورة وغضبا وأملا، فالجرح يرى له الدواء الشافي، ويعرف الجميع هذا الدواء، في قصيدة /الصرخة المكتومة/ ص 53 :

والقدس في الغِلّ تستجدي مروءتنا   والذل يرسب في الشريان مصطفقا
كم قمّة عُقِدت والعقم يسكنها         تختال لفظا، وتجني العقم والملقا
ثم يقول :
لولا الشهيد و درب الكون لانفجرت  أوتار شعري تُجلُّ العود والبزقا
آمنت بالنخل ممهورا بعزته           يعانق المجد والإيثار والسبقـا
أستصرخ النخل مجروحا بأسئلتي     وألعق القيح والصبار والعلقا
       
هذا نبض شاعر لا يعرف الكلل، ولا تنتابه حمى الإفلاس القومي، ولا تستهويه حماقات التحديث والحداثة المتطرفة، فالحب للعروبة بكل ما تحويه ديدنُه ومشربه النظيف الذي لا يعكّره سوى المنغصات التي تستهدف أمته وهذا ما يقوله في قصيدته / أنا عربي فلسطيني / من ديوانه / مواقف / ص 43 :

أنا عربي فلسطيني           وعشقي في شراييني
أفاخر في بطولاتي           وعشقي في شراييني
 
    أنا عربي فلسطين


أنا إطلالة الدرّة              شهيد الأمة الحّرة

لأجل القدس مكرمة          شربت الحلو والمرة

    أنا عربي فلسطيني


سأعزف أجمل الألحان     وصوت العدل والإنسان
أجل القدس عاصمتي        وأتلو سورة الرحمن

    أنا عربي فلسطيني

إنه نشيد قومي سريع الإيقاع وواضح الانتماء، وصادق التعبير، وهذا الاعتزاز بالقدس ينتاب الشاعر، ويلاحقه فلا يفرق بالحب بين مكة والقدس والمقدسات وهو القائل :

وأنا المتيم بالعروبة هائم     تسري العروبة في شذى وجداني

آمن الشاعر برسالة الشعر ودوره، هذا الإيمان دافعه الحب والتعلق بالموروث الروحي والتاريخي فنراه يكثر من ذكر الأماكن والشخصيات العربية التي تركت صدى وسيرورة حسنة في حياتها، فكان يستحضرها للأجيال فيقول في ديوان الحب النبيل 2006 ص 54 :

يا صاح ليس الشعر لفظاً صنعةً      فالشعر أن تتصدَّعَ الجدران
والشعر بركان ووحي ملهم           ورسالة يرقى بها الإنسان
ما زلتُ، تقذفني العواصم تائها        وتمور بي في الغربة الشطآن
والجامع الأقصى يُطوَّق بالقنا         وتعيث في حرماته .. الذؤبان
قد قلت بعضا من رقيق مشاعري     والبعض لم يأذن به السلطان

هذه الجولة مع الشاعر جاك صبري شماس تعطينا الكثير من الدلالات وترسم مسار القصيدة العربية في هذا العصر الذي تنتابه حمى التغريب والتحديث المجاني، فتظل قصائد الشاعر ومواقفه على داعمات من اللغة الموحية الموروثة ومن التراكيب المتينة التي لم تخرج عن مسار الجملة العربية القوية وقد أضاء معانيها خيال معتدل مستمد من ثقافة قديمة وحديثة اكتسبها الشاعر وأعاد صياغتها وقد تفاوتت القصائد في مستواها الفني واتفقت بالمضامين النبيلة والشعور الصادق ولكنها لم تجازف، ولم تبالغ، فجاءت قصائده تتناسب مع الموضوع، وتلتحم بروح الشاعر فكانت قصيدته صورة عن حماسته وطيبته وكل ذلك يشكل لوحات واضحة المعالم في شعر جاك صبري شماس.


المصدر : خاص مؤسسة القدس للثقافة و التراث
عدد القراءات : 622
2012-01-19
إلى الأعلى إرسال لصديق PDF طباعة إضافة تعليق
 
 
© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة القدس للثقافة والتراث