العدو يعترف بمقتل قائد لواء جولاني متاثرا بجراحه    الكيان الصهيوني يعترف رسمياً بمقتل 13 جنديا من لواء جولاني بالشجاعية    الرئيس الامريكي سيرسل كيري للمشاركة في جهود وقف إطلاق النار    كتائب القسام تأسر الجندي الصهيوني شاؤول ارون في عملية بطولية شرق غزة     الصحة :72 شهيداً في مجزرة الشجاعية يرفع الحصيلة الى 496 شهيد 3100 جريح    مسيرة غضب برام الله دعما لغزة وتنديدا بالتنسيق الأمني    أبو أحمد: الاحتلال في ورطة وهو بحاجة إلى من يساعده للخروج من المأزق الكبير    "سرايا القدس" وقصتها مع تفجير الدبابات من الزيتون إلى رفح وبيت حانون    الجمعة.. أكبر عدد شهداء العدوان ب52 شهيداً    النخالة: نُصر على اتفاق مبادئ يضمن رفع الحصار ولا نثق بـ "إسرائيل"
اليوم : 2014/07/28
القدس في 28/7
نشاطات المؤسسة
ندوات وأمسيات
مهرجانات ومؤتمرات
معارض فنية
إصدارات
آداب وفنون
الشعر
القصة والرواية
المسرح والسينما
الفنون التشكيلية
أدب النكبة
أدب الأسرى
المقالة
قضايا وآراء
من وحي القرآن
أعلام وعلماء
أحسن القَصَص
واحة الإبداع الشبابي
المزيد
أدب الأطفال
قصائد للأطفال
قصص للأطفال
أطفال مبدعون
 
هل تعتقد أن أسر الجندي الصهيوني شاؤول أرون سيجبر الاحتلال على الرضوخ لشروط المقاومة






نتائج التصويت تصويتات سابقة
القصة والرواية ، واحة الفكر والثقافة 
القصة القصيرة جداً
عبد اللطيف الأرناؤوط


شاع مصطلح القصة القصيرة جداً في الدراسات النقدية منذ السبعينات من جملة مصطلحات أطلقت على لون الأدب له طابع القصة إذ إنه يتناول جانباً أو موقفاً محدداً من الحياة الإنسانية، بصورة مكثفة، على أن هذه المصطلح أوجد إشكالات عديدة سواء تسميته أم تعريفه، فمن هذه المصطلحات على سبيل المثال لا الحصر: القصة اللقطة أو القصة المكثفة أو القصة البرقية، أو الخبر القصصي أو الخاطرة القصصية و القصة الومضة.. ومثلما اختلف النقاد في التسمية اختلفوا أيضاً في تعريف القصة القصيرة جداً وتحديد مفهومها، ويبدو أن الاختلاف في التسمية ينبع من اختلاف مفهومها، فبعضهم يستند إلى خصيصة واحدة من خصائصها كالتكثيف من دون أن يلتفت إلى الخصائص الفنية الأخرى التي يمكن أن تؤهلها لتكون قصة، وقد ينطلق البعض من دافع التفرد في التماس مصطلح جديد لهذا الكائن الملغز، أو يعتمد على الترجمة، ويستفاد من مصطلح (القصة القصيرة جداً) أنها تقوم على خاصتين:
الأولى: إنها قصة تنطبق عليها الشروط الأساسية للقصة بمفهومها الفني، وإنها قصيرة جداً لا يتجاوز نصها السطور أو الصفحة والصحفتين، والذين أطلقوا عليها اسم القصة اللقطة أو الومضة لا بد أنهم التفتوا إلى عنصر القصر والسرعة مستفيدة من عالم السينما والتصوير الفوتوغرافي.
والثانية: الخبر القصصي – وقد يتضمن عناصر من رواية الخبر، وراية الأخبار باب قديم في الأدب العربي.. تحفل به كتب التراث الجامعة كالأغاني للأصفهاني وبعض الجاحظ.
وتقترب القصة القصيرة جداً من الخبر لنها لا تستفيض بالتحليل وإنما تهدف كما يهفد الخبر في كتب التراث إلى ترسيخ فكري أو تأملي أو اجتماعي. على أن دارسي القصة القصية يعدونها جنساً أدبياً يثبت وجوده. ويبدي مرونة تسمح للكاتب بحرية الحركة والإبداع والتحليل والتأويل . فهي تختلف عن الخبر لأنه إبلاغ عن واقعة حقيقية تحتمل الصدق أو الكذب، أما القصة القصيرة جداً فتقوم في جوهرها على عنصر التخييل والتماهي، وهي تضيف إلى الوقاع جديداً يتجاوز روايته أو تصوره.
ويرى الباحث "أحمد جاسم الحسين" إلى أن القصة القصيرة لا تتجاوز ثلاثين كلمة، وقد تمتد إلى حجم صفحة واحدة أو أربع أو خمس صفحات، وإن كان هذا الحجم الطويل اخذ ينحسر اليوم لدى الكتاب، فإن طول القصة وقصرها ليس دليلاً على نجاحها، فقد يكون الإيجاز مخلاً مثل الإطناب، وقد يشوه القصر خصائصها الفنية كالطول. وثمة طريقة يراها الباحث "أحمد الحسين" يمكن من خلالها أن تعرف القصة القصيرة جداً وهو المقارنة. فثمة القصة القصيرة جداً وهو المقارنة. فثمة قصص تكتب في صفحة واحدة لكنها تعد قصصاً قصيرة.. وهناك قصص أخرى تكتب في صفحة واحدة، لكنها لا تعد قصصاً قصيرة جداً، المهم هو البنية، وطريقة استعمال التقنيات وأركان القصة الأساسية، وطريقة التوظيف التي لها أثر في السياق القصصي.
ولا شك أن ما يقع فيه الناقد من خلط بين القصة القصيرة.. والقصيرة جداً مرده إلى اعتماد مبدأ الطول والقصر في حجم القصة. إضافة إلى رأي بعض الدباء الذين قد ينعتون بعض القصص أنها قصيرة جدا ًبينما هي تخرج فنياً من نطاق القصة القصيرة جداً. فهي أقرب إلى الخواطر التي تصاغ بأسلوب شاعري مع أن القصة القصيرة ليست خاطرة أو شعراً أو مقالة. إنها تقوم على أربعة أركان رئيسية في رأي بعض النقاد، وهي: القصصية، الجراءة، وحدة الفكر والموضوع ، والتكثيف.
أما القصصية فيتضمن النص القصصي بعض السمات الفنية للقصة كوجود الشخصيات والحوار والمضمون والصراع مع التخلص من الاستطالات والميل إلى التكثيف وأبرز ما يميزها أنها تركز على الحث وتسلط الضوء عليه في لحظة التبدل أو التغيير، وتجسد المضمون بلون من التكثيف الموحي، والتوهج والشاعرية. فإن القصة القصيرة جداً ليست معنية بالتحليل بل همها إبراز لحظة مصيرية في الرؤية أو الكفر أو السلوك. بحكم إيجازها، وهي تختار من الصراع ذروته، وتهتم بدارمية الموقف وصوغه لغوياً وفق اسس أسلوبية مع إسقاط كثير من سمات الشخصيات، وهو أمر يحتاج إلى كاتب متمرس يختار التعبير الموجز المناسب.
أما عن الجراءة فالقصة القصيرة على إيجازها تقول أشياء لا يستطيع أن يقولها سواها، لأنها تضرب في العمق، وتنقد، وتخرج عن المألوف في الحياة، وتدعو إلى إعادة النظر في السلوك والمواقف، ولها تأثير كبير في النفس غذا كان الكاتب ناجحاً في اختيار الإطار القصصي لتقديم فكرته أو شعوره.
ووحدة الفكر أو الموضوع في القصة القصيرة جداً تعني التركيز على جوهر القصة وغرضها بلا إفاضة، والغرض هو الذي يمنحها وحدتها الفكرية وتماسكها. إذ تتواشج الأفكار فيها لتتسرب إلى أعماق الروح فيكون لها دور تحريضي مؤثر، ويتوقف ذلك على حسن اختيار الكاتب مادتها وأدواتها الفنية، وحذف ما لا يراه ملائماً.
والمسة الرابعة هي التكثيف، فالقصة القصيرة جداً نص لغوي مختار وموجز، على أن الإيجاز لا يعني الاختصار فحسب، بل يتجه إلى الصوغ اللغوي لأنه الوسيلة الأولى للتأثير، إذ يرتدي الفكر أجنحة من الشعر والبيان المبتكر بلا إفراط، إذ يلامس الكاتب الهدف لكن لا يفصح عنه بل تيرك القارئ فرصة المشاركة في اكتشافه.. فالقصة القصيرة جداً لا تميل إلى الشرح والتعليل والتفصيل في رسم البيئة الزمانية والمكانية، لأن ذلك يفقدها توهجها، كذلك الاختصار من الروابط بين الجمل، واستطالة الجملة أو الإكثار من الضمائر والوصف المفصل.
وقد يعمد الكاتب إلى عالم الحيوان، فالقصة القصية جداً، ليست جديدة كلياً، إنها قريبة في التراث العالمي من الأمثال السائرة، من حيث التركيز على المغزى، فجذورها ضاربة في القدم منذ عهد إيسوب اليوناني مروراً بلافونتين الفرنسي، وحكايات الأمثال تقترب كثيراً من القصة القصيرة جداً لإيجازها، واعتماد بعضها على الخيال الشعبي، واستغلالها عالم الحيوان.
ونجد في تراثنا العربي نماذج من الحكايات التي اصبحت أمثالاً سائرة. كما نجد الكثير منها في مجمع الأمثال للميداني، وبعضها مستمد من عالم الحيوان. غير أن قصص الأمثال تفتقر إلى التوهج الشاعري والفن الأسلوبي الذي يضيفه المبدع على القصة القصيرة جداً.
ولا ننسى أن للقصة القصيرة تقنيات منها خصوصية اللغة والاقتصار في التعبير، ومنها الانزياح، وهي سمة لخصوصية اللغة، والانزياح اللغوي محاولة تحميل مفردات اللغة دلالات أوسع من دلالاتها المعجمية، وهو سمة يرى فيه الأدباء المحدثون تجديداً لحياة اللغة التي أبلاها جمود صيغها في حدود الاستعمال المصطلح عليه..
ومن سماتها المفارقة التي يتوصل إليها الكاتب بالمقابلات بين الأضداد اللغوية، أو الموازنة بين حالتين متناقضين هو ما يعرف بالتضاد المعنوي، وهو يسهم في إبراز الجانب المطلوب لنه كما قيل: الضد يظهر حسنه الضد، وبالمفارقة يمكن الكاتب (أن يقول شيئاً من دون أن يصرخ به فعلاً).
ومن سماتها أيضاً التناص، وهو أحد أهم تقنياتها، فكثيراً من القصص القصيرة جداً تستند إلى التناص، وتجعله حاملاً للدلالات التي به تنفتح على خارج النص وتحيل إلى نصوص أخرى تبعث أثرها مجدداً في نفس من قرأها سابقاً، وهو تقنية ثقافية تقيس وعي الكاتب وإلمامه وذكاءه وحسن توظيف قراءاته، مثلما يساعد التناص على اللمح والإشارة لا التحديد، لكن يمكن أن يسيء للصة إذا جاء مسطحاً أو متداولاً.
ومن سماتها أيضاً: الترميز: وهو استعمال اللغة بأسلوب رمزي، ومن المناسب في هذا المجال الابتكار في الرموز وحسن استغلالها، والتمهل في اختيارها، ومساعدة القارئ على فك الرموز بالإيحاء بمفاتيح تسمح بحلها.
ومن أشكال الترميز: الأنسنة أو التشخيص (جعل الحيوان أو الجماد يفكر ويتكلم)، والتجسيم هو عكس التشخيص (مسخ الحي إلى جامد أو كائن غير إنساني) ويشترط في الأنسنة ألا تكون تعليمية وألا تقع في عيب المشارة، فهي ليست مشجباً يعلق عليه الكاتب ما يريد، وقد أكثرت القصص القصيرة جداً من استغلال عالم الحيوان للتعبير عن عالم الإنسان، وفي ذلك محاولة للتهرب من خطر الفكرة ونتائجها، والقمع الذي تتعرض له الأفكار منذ القدم. ولعل قصص كليلة ودمنة مثل واضح لذلك. وقد أحسن الكاتب "زكريا تامر" استغلال عالم الحيوان للتعبير عن أفكار إنسانية بطريقة مبتكرة، دون اعتماد السمات الخاصة لكل حيوان، وهو أسلوب استهلك لكثرة التداول.
ويضيف الكاتب الباحث "أحمد جاسم الحسين" في دارسته عن القصة القصيرة جداً سمة السخرية الناجمة عن المفارقة أو المبالغة في التصوير، والسخرية كانت منذ القدم سلاحاً فعالاً لنقد العيوب البشرية والاجتماعية، وقد تبطن السخرية بقول الكاتب شيئاً وهو يريد ضده، وخاصة إذا اقترنت بالجرأة، فإن السخرية تكون من نوع الضحك الذي يعطي المرارة التي يحس بها الكاتب. وتخلف القصة القصيرة بعد قراءتها أثراً في النفس يدفع بالقارئ إلى التأمل والتحليل والمشاركة.
ومن أبرز خصائص القصة القصيرة: الطرافة. طرافة الموضوع أو غرابته، والمغزى المتميز الذي يفاجئ القارئ ويجذبه ويدهشه كما يدهشه صورها وانزياحاتها، حتى طاب لبعضهم بتشبيهها بالجراحة المجهرية لدقتها وما تتطلبه من تركيز في البنية ودرامية في العرض. وقد يؤخذ على بعض الكتاب لهذا اللون من القصص الإفراط في الإيهام والغموض.
إن هذه الآراء النظرية لا تسمح لنا أن نميز بين القصة القصيرة جداً وسواها من القصص بسب تلاقي الخصائص واختلاف وجهات النظر، ونلاحظ أن بعض الكتاب للقصة القصيرة جداً تناولوا هموم الفقراء وما يتعرضون له من قمع واستغلال، أمثال الكاتب: "مروان المصري" في مجموعته (أحلام عامل المطبعة) فهو يدرك عالمه القصصي وتقنياته، ويدعو في معالجة المشكلة فيعمد إلى التكثيف، ويختار المواقف الطريفة، كما يراعي أركان القصة القصيرة، ويمتاز الأديب "مروان المصري" برؤية عميقة وتحليلات سليمة، فقد فضح في قصصه عملاء المستغلين، بعضهم مختص بالحرب والأمن، وبعضهم تزيا بزي السطلة وصار يهاجم البسطاء، وبعضهم صار داعية وحكواتياً لمصالح أساده، وبعضهم اختص بكتابة التاريخ يزوره كما يشاء، وبعضهم لا هدف له إلا النصب، كما دعا الفقراء إلى المقاومة.
ففي قصة (الفيل والنملة) يقول بلسان النملة مخاطبة الفيل:
(أنا لا أخشاك لأنك ضخم الجثة، بل لأنك تستطيع سحقي بقدمك).
ويمكن أن نمثل لفنية القصية القصيرة جداً لديه بالنص التالي:
(فتح باب القفص، فارتعش العصفور، وخرج للتحري، بعد بض جولات جاع.. فبحث عن قفصه..).
ويحرص الكاتب "مروان" على تنامي العناصر والأحداث، ويراعي وحدة الموضوع، ويستخدم كثيراً "التناص"، فيستعير الأمثال الشعبية والحكايات التاريخية القديمة، فيقيم تعارضاً بين ما يرى إليه، وما تنطق به شخصيات قصصه ويستغله لتأييد وجهة نظره، كما فعل في المثل (عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة) وهو يكثر من الاستعانة بعالم الحيوان للترميز والتعبير المنافح عن أفكاره، ويعمد إلى الحوار كما في قصة (التنورة) التالية:
-(سألها السمان مازحاً: من صنع لك هذه التنورة العجيبة يا ابنتي؟ ردت الصبية الصغيرة قائلة: الريح وأبوي
-ماذا..؟
-نعم.. أسقطت الريح العاتية الكثير من اللافتات، كما تعلم، فأحضر أبي واحدة، خاطتها أمي تنورة لي.
-ألم يكن في وسعها جعل الشعارات إلى الداخل..
-أنت محق، لكنك تعلم أنني الوحيدة التي تقرأ في الأسرة).
ويمكن أن نمثل للقصة القصيرة جداً بما كتبته "غادة السمان" في كتابها "الأبدية لحظة حب" بعنوان "بطاقة من بحيرة كونستانس جاء فيها: (شاهدت السيدة المسنة تدخل الفندق النائي ليلاً في أحضان "الغابة السوداء" برفقة الشاب الصغير..
عند الفجر غادر الفندق..
كانت السيدة متوهجة بالصبا..
أما الشاب فقد أضحى مسناً)
نحن أمام قصة قصيرة جداً لكنها بعيدة التأثير في مغزاها، تختزل موضوعاً يمكن أن يكتب فيه صفحات.. لقد جاءت القصة القصيرة وليدة أحوال ثقافية وتقنية، فإن الرقابة على الفكر دفع بكاتب القصة إلى اتخاذ هذا المنحنى التعليمي الذي يذكر بالأمثال، وقد تكون القصة القصيرة جداً امتداداً لهذا اللون من الأدب العالمي الشائع على مستوى شعبي والذي يختصر حكمة الأجيال بالجملة العابرة، ويرى بعضهم أن النكسات التي مرت بها الأمة دفعت الكتاب إلى التعبير عن نفوسهم المجرحة وعجزهم عن التوجيه الصريح ومواجهة القوى العالمية التي تتحكم بمصائر الشعوب إضافة إلى ذلك أن عصرنا عصر السرعة فهو يميل إلى الإيصال السريع من خلال تقنيات عصرية تأثر بها الأدب.
ولا شك أن هناك عالمياً كتابات رائدة في القصة القصيرة جداً تواكب زميناً أو تسبق القصة العربية القصيرة مثل كتابات: كافكا وفرجينيا وولف، وناتالي ساروت.. وأما ريادتها على صعيد الوطن العربي فيمكن أن نعد فترة السبعينيات من القرن الماضي مرحلة اكتمال نضجها. على يعد بعض الكتاب العرب..
لقد مرت القصة القصيرة جداً بفترة تجريبية، وتعدد قصص الكاتب وليد إخلاصي في مجموعته (الدهشة في العيون) بداية ناضجة، ونسق منها المثال الآتي:
(عندما أصبح صغيري في السادسة من العمر، دس أنفه في وجهي، وتساءل قائلا: باب من هي ماما؟
-أمك وزوجتي..
وبعد تفير.. قال: هل أنت متزوج من ماما؟
-نعم.. يا حبيبي
واتبسم من تحت جلد وجهي.. وصاح،
-وأنا من أتزوج؟
قلت بعد تفكير: أنت صغير
صاح من جديد، وكأنه استجمع تفكير كل أيامه:
سأتزوج أنا ماما..!
فصحت بلا تفكير، وكأن زوجتي تسحب مني قهراً
-أنا.. سأتزوج ماما..
وأحسست آنذاك إحساس سجين حكم عليه بالعزلة، فهرعت احتضن زوجتي التي لم تكن من الحكاية شيئاً.)
وفي مجموعة الكاتب "نبيل جديد" (الرقص فوق الأسطحة) مثلاً للمضمون الناجح الذي يخلق شكله، وهي من القصص الرائدة، ومن الأدب الذي يستشرف المستقبل من أمثلة.. ففي قصة (امتحان) يقول:
(سؤال: من الذي بنى الأهرامات؟
الجواب: ملايين العمال والفلاحين الذين سخروا لهذا العمل
العلامة: صفر).
ويمكن أن يضاف إلى هاتين المجموعتين..
مجموعة الكاتب: "طلعت سقيرق" عنوانها (الخيمة) ومجموعة (السكين) وهما تتناولان الهم الفلسطيني، ولقصصه  القصيرة نكهة متميزة وطريفة.. ومنها:
(اصطف الطلاب.. دخلوا بنظام، جلسوا على مقاعدهم بهدوء، قال المعلم: درسنا اليوم عن الفاعل .. بهدوء، قال المعلم: درسنا اليوم عن الفاعل.. من منكم يعرف الفاع؟ رفع أحد الطلاب إصبعه، ووقف وتثاءب، قال:
-الفاعل هو ذلك الذي لم يعد موجوداً بيننا.
ضحك الطلاب، وبكى المعلم..).
ولا يخفى أن هذه القصص ليست إلا خواطر لها إطار قصصي متخيل أو حقيقي..
ومن اللواتي كتبن القصة القصيرة جداً الكاتبة "ضياء قصبجي" وهي تمارس تأليف القصة منذ ربع قرن، وفي مجموعتها (إيحاءات) نجد نماذج للقصة القصيرة، وإن كان بعضها أقرب إلى الخاطرة والمثل، ومن نماذجها قصة "بحث":
(انسلت قطرة ما عن صديقاتها قائلة:
-لقد تعبت من المشي الطويل.
دفنت رأسها في التراب، "نامت" استيقظت، بحثت عن نفسها فلم تجدها.)
وأخيراً.. فإن القصة القصيرة جداً نافذة مفتوحة على الفنون الأدبية الأخرى، ومنها الخاطرة والمثل والحكمة والخبرة، إلا أن تقنيات السرد القصصي الحديث قد طورت هذه الفنون المعرفة قديماً، ومنحتها طابعاً جديداً فاتسع أفقها باتساع الثقافة وتطور الهموم الإنسانية، فكانت خبراً معبراً عن مشكلات العصر والقلق الإنساني مع مراعة إعطاء ألقاً جديداً وومضة ترد لها تأثيرها..

المصدر : المصدر: مجلة المعرفة/ 580
عدد القراءات : 990
2012-02-06
إلى الأعلى إرسال لصديق PDF طباعة إضافة تعليق
 
 
© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة القدس للثقافة والتراث